روسيا والمغرب.. انفتاحة جديدة في العلاقات وشراكة استراتيجية نوعية

شهدت العلاقات الروسية المغربية تطورا لافتا في السنتين الأخيرتين. وازداد التبادل التجاري بن البلدين في شكل كبير، وبدا أن العلاقات تتطور بدينامية سريعة في المجالات الاقتصادية والسياسية والسياحية، بعدما كان محدودة في حقبة الحرب الباردة. وفي بداية الألفية الجديدة بدأت العلاقات في التحسن، لكنها مازالت دون مستوى امكانات البلدين.

ويعود تاريخ العلاقات الروسية المغربية إلى القرن الثامن عشر، وبالتحديد العام 1777، حين عرض سلطان المغرب محمد الثالث، على امبراطورة روسيا يكاتيرينا الثانية، اقامة علاقات تجارية بين البلدين. ولسنوات طويلة بقيت العلاقات الروسية – المغربية تتم من خلال شخصيات معتمدة من دول أوروبا الغربية، وذلك لان الاتصال خلال البحر البيض المتوسط لم يكن ممكننا بسبب الصراع التقليدي بين روسيا وتركيا. في البدء كان وزير بلجيكا المفوض يرعى المصالح الروسية في المغرب، بعدها في مارس/آذار 1882 انيطت المهمة بممثل إسبانيا الدبلوماسي. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1897 تمت الموافقة على تاسيس قنصلية في المغرب وتعيين قنصل عام بدرجة وزير مفوض، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1897، تم افتتاح القنصلية العامة للامبراطورية الروسية في مدينة طنجة المغربية.

المغرب والإمبراطورية الروسية

بعد تصاعد المجابهة بين الدول الاوروبية الغربية حول مدينة طنجة، وقرب تحولها إلى نواع عالمي، أبدت الامبراطورية الروسية اهتماما أكبر بما سمي حينذاك بالقضية المغربية. وبهدف الحصول على موقع لها في طنجة، تم تعيين فاسيلي بأخيراخت الذي عمل لسنوات طويلة بالممثليات الدبلوماسية الروسية في سويسرا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال، قنصلا لروسيا في المغرب.

وفي مايو/أيار 1898، وصل بأخيراخت إلى المغرب، وبدأ نشاط الممثلية الدبلوماسية الروسية، الذي أثار الكثير من الاقاويل في اوساط السلك الدبلوماسي والقنصلي. إذ قرر بأخيراخت التوجه إلى مراكش عاصمة المغرب آنذاك لتقديم اوراق اعتماده إلى السلطان عبد العزيز.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1899، دخلت السفينة الروسية المدرعة “بيتروبافلوفسك” ميناء طنجة، حيث عرض قائدها على الراغبين الصعود على ظهر السفينة لمشاهدتها. خلال ثلاثة ايام زار السفينة 300 مغربي، ومعظمهم جاء من المحافظات الداخلية للمغرب. واشار بأخيراخت في تقريره إلى وزارة الخارجية إلى تقييمه الإيجابي لهذا العمل وانه انتشرت في المغرب شائعات عن قوة روسيا ورحابة صدر وكرم البحارة الروس، وحسب قوله فان المغاربة اخذهم العجب بالكامل لانه لم يسبق أن دللتهم قيادة أجنبية أخرى. كما أن وجود بعض التتار الذين لهم نفس المعتقد ضمن طاقم السفينة، سهل التحدث معهم وازاد من تعجبهم.

ومن جانبه، قرر السلطان المغربي سنة 1901 إرسال بعثة دبلوماسية طارئة إلى روسيا البعيدة برئاسة وزير الخارجية سيدي عبد الكريم بن سليمان.

وفي الفترة بين أكتوبر ونوفمبر 1904، دخلت ميناء طنجة ثلاثة قطع حربية من اسطول المحيط الهادئ الثاني، المتجه إلى الشرق الأقصى للمشاركة في الحرب مع اليابان.

وفي العام 1905، نشبت أول ازمة مغربية بسبب المنافسة بين دول أوروبا الغربية على مناطق النفوذ في أفريقيا ومن ضمنها المغرب. ولاجل حل الخلافات انعقد مؤتمر الجزيرة الخضراء. في هذا الوقت ضعف تأثير الامبراطورية الروسية بشكل ملموس على الأحداث الدولية ومنها شمال أفريقيا نتيجة حربها مع اليابان في اعوام 1904- 1905.

ومنذ عام 1912، كانت العلاقات الروسية – المغربية تسيّر من خلال باريس أو مدريد. وفي فبراير/شباط 1913، حولت البعثة الدبلوماسية الروسية إلى قنصلية دبلوماسية عامة.

وبسبب الحرب العالمية الاولى وثورة أكتوبر في روسيا والحرب العالمية الثانية، انقطعت العلاقة المباشرة بين البلدين لفترة زمنية طويلة.

المغرب والإتحاد السوفيتي

عادت العلاقات الروسية المغربية إلى مجاريخا في عهد الإتحاد السوفيتي، بإطلاق العلاقات الدبلوماسية في 1 سبتمبر/أيلول 1958.

ومن الأحداث المهمة في تاريخ العلاقات مع الإتحاد السوفيتي– زيارة الملك الحسن الثاني إلى موسكو في أكتوبر/تشرين الأول 1966، والتي تم خلالها التوقيع على اتفاقيات التعاون في مجالات الثقافة والبث الاذاعي والتلفزيوني والاقتصاد وفي مجال العلم والتقنية، وأيضا تصدير الماكينات والمعدات السوفيتية إلى المغرب. وزار ولي العهد المغربي (حاليا ملك المغرب) موسكو على رأس وفد مغربي في عامي 1982 و 1984.

ومن جانبه زار المغرب رئيسان لمجلس السوفيت الأعلى (ليونيد بريجنيف في فبراير/شباط عام 1961 ونيقولاي بودغورني في أبريل/نيسان عام 1969) ورئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي الكسي كوسيغين في أكتوبر/تشرين أول عام 1971.

 

المغرب والإتحاد الروسي

بعد تفكك الإتحاد السوفيتي، وتأسيس الإتحاد الروسي على أنقاضه، اعترفت المغرب في 30 ديسمبر/كانون الأول 1991 بروسيا الاتحادية.

ولم تشهد العلاقات الثنائية نشاطا ملحوظا طوال فترة التسعينات، حتى زيارة الملك محمد السادس إلى موسكو في الفترة بين 14 -18 أكتوبر/تشرين الأول 2002، والتي احتلت موقعا مهما في تاريخ العلاقات الروسية – المغربية، وخلال مباحثاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تم التوقيع على بيان مشترك حول الشراكة الإستراتيجية بين روسيا الاتحادية والمملكة المغربية.

وفي الفترة بين 22 -23 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، قام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أثناء جولته في شمال أفريقيا بزيارة المغرب واستقبله الملك محمد السادس.

في 7 سبتمبر/أيلول 2006، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة رسمية إلى المغرب، اجرى خلالها مباحثات انفرادية وبمشاركة الوفد المرافق مع الملك محمد السادس. في نهاية المباحثات وقعت مجموعة وثائق للتعاون في مجالات مختلفة.

التعاون المشترك

تم تشكيل لجنة روسية – مغربية مشتركة للتعاون الاقتصادي وفي مجال العلم والتقنية. وعقدت اللجنة اجتماعين الأول في مدينة الرباط سنة 2004، والثاني في موسكو سنة 2006.

تعمل اللجنة الحكومية المشتركة الروسية – المغربية لتعزيز التعاون في مجال الاقتصاد وفي المجال العلمي – التقني، وعقدت اجتماعها الثالث عام 2008 بالرباط.

يعمل في المغرب بعقود، 10 خبراء روس في مجال التعليم المهني. ويدرس في الجامعات والمعاهد الروسية حوالي 2500 طالب مغربي. في مارس/آذار 2004، تم توقيع اتفاق بين معهد آسيا وأفريقيا التابع لجامعة موسكو وجامعة محمد الخامس بشأن تعليم الطلاب والمتدربين والباحثين العلميين.

من بين الأحداث المهمة في العلاقات الثنائية، اقامة ايام ثقافية للمملكة المغربية في روسيا بمدينتي موسكو وفلاديمير في الفترة من 22 – 28 أكتوبر/تشرين الأول 2007. وتم لاول مرة بعد الفترة السوفيتية اقامة مهرجان اسبوع الفيلم الروسي في الفترة 23 – 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2008، في مدينتي الرباط ومراكش كما جرت بنجاح ايام الثقافة الروسية في المغرب.

ويمكن القول إن علاقات روسيا التي تتوثق مع المغرب تشكل التحول الأبرز في مقاربة روسيا لدبلوماسيتها مع البلدان المغاربية في السنوات الماضية.

وجاءت الزيارة الثانية للملك محمد السادس إلى روسيا في السادس من مارس/آذار 2016، لتعزيز الشراكة الإستراتيجية التي تم التوقيع عليها إبّان الزيارة الأولى، حيث يسعى كلا الطرفين لمواكبة التحولات الجيوسياسية وتحقيق مكاسب جيوسياسية غير خافية في الظرفية الحالية التي يمرّ بها البلدان.

وتتزامن محاولات روسيا للنفاذ إلى المغرب -منطقة النفوذ التقليدية لفرنسا والولايات المتحدة- مع وقت بدأ فيه المغرب أيضا بحث توسيع علاقاته الدولية في جميع الاتجاهات والانفتاح أكثر على موسكو، خاصة بعد توتر في علاقاته مع أوروبا.

المنتجات الزراعية المغربية في روسيا

وشهدت المبادلات التجارية بين البلدين تطورا كبيرا، حيث تضاعفت 12 مرة بين سنتي 2001 و2010، لتنتقل من نحو مئتي مليون دولار إلى أكثر من 2.5 مليار دولار سنويا؛ مما جعل المغرب شريكا تجاريا كبيرا لروسيا في أفريقيا والعالم العربي.

أما في العام 2016، فقد حلت المغرب في المركز الثالث بعد مصر والجزائر في قائمة أكبر الدول العربية بحجم التبادل التجاري مع روسيا. وبلغت قيمة التجارة بين روسيا والمغرب مليارا و 291 مليون دولار في العام 2016، مسجلة زيادة بمقدار 27% عن العام 2015.

والأهم في العلاقات المغربية الروسية أنها تجاوزت المسائل التجارية والثقافية والسياحية والغاز والنفط والطاقة النووية السلمية إلى التعاون العسكري، حيث تشير التقارير إلى أن المغرب بصدد عقد صفقة عسكرية مع روسيا تشمل غواصة وطائرات مروحية وصواريخ بحرية متطورة، لتكسر بذلك الاحتكار الأميركي الفرنسي للسوق المغربية.



shares