عاش حياة قصيرة ومات بالسل… عبد الله طوقاي شاعر التتر الأكبر

شاعر تتارستان الأشهر عبد الله طوقاي

في قرية أرسك قرب قازان، عاصمة تتارستــان، والمسماة بلؤلؤة الإسلام الروسية، أبصر شاعر تتارستان الأشهر عبد الله طوقاي (1886- 1913) النور. ورغم أنه لم يعش أكثر من سبعة وعشرين عاماً إلا أنه يعدُّ مؤسس الأدب التتري المعاصر لدرجة أن الكثيرين يسمونه بـ “بوشكين التتري”، وصار يوم ميلاده، في 26 أبريل/ نيسان، عيداً للأدب في تتارستان. ولا تنحصر إسهاماته في الشعر فحسب، بل تتعدى ذلك إلى الترجمات حيث ترجم إلى اللغة التترية مؤلفات بوشكين، ليرمونتوف وتولستوي ومايكوف، كما كتب الكثير من الحكايات والمقالات النقدية.

وطوقاي شاعر وناقد وناشر للأدب الكلاسيكي التتري، عاش طفولة صعبة متنقلاً للعيش في كنف أسر عديدة من الأقارب والمعارف. ومن سوء حظه أن الذين تعهدوه بالرعاية في طفولته ماتوا تباعاً ليتركوه خلفهم معوزاً للرعاية والأمان. فقد مات والده وهو لما يبلغ شهره الخامس بعد، لينتقل إلى بيت جده الذي توفي وهو لا يزال في الخامسة من العمر.. وعاش عامين من عمره مع عامل دباغة قام بتبنيه حيث صار بإمكانه الذهاب إلى الكتَّب لكن الدباغ وزوجته ماتا فانتقل إلى كنف عائلة التاجر غوزمانوف الذي فشل بتعليمه حرفة التجارة فقام بإلحاقه بمدرسة روسية حيث بدأ بتعلم اللغة الروسية، والاطلاع على الأدب. وفي أجواء طفولته العاصفة التقى بعشرات من شتى الشرائح الاجتماعية وسمع منهم الأناشيد الشعبية ونمط النظم على طريقة البيت العربي..

ومرة أخرى عاد إلى الكتَّاب، ودرس بكد وجد.. وعندما بلغ السادسة عشرة من العمر صار ناقداً للتربية الدينية، وفقد اهتمامه بالدراسات الدينية، وتوقف عن حلاقة شعره، وصار يشرب البيرة وشرع بالتدخين، وكبر اهتمامه بالشعر وبالأدب الروسي وخصوصا ببوشكين. وبدأ بجمع الأغاني والملاحم الشعبية، وتأثر بالشعر العربي، الفارسي والتركي.. واشتعل حباً باللغة التترية القديمة.. وخلال لقاءاته بشعراء آخرين تعلَّم أنماط الشعر المكتوبة بالطرق الشرقية.. ثم بدأ بنشر قصائده ومقالاته المترجمة في مجلات عدة، وعرف بميوله اليسارية، وكتب مقالات يسخر فيها من شيوخ الدين الذين درسوه في يفاعته، ما جلب غضب السلطات عليه، لكنهم غضوا الطرف عنه لأنه وطني عنيد في مواجهة محاولات محو الهوية التترية.. وخلال تلك الأعوام طور مهاراته في اللغويات، أدب الأطفال وفي المسرح.. وحاول الالتحاق بجيش القيصر لكن صحته السيئة وحول عينيه لم يمكناه من ذلك.

ومنذ العام 1907 قرر طوقاي الابتعاد عن عوالم السياسة الليبرالية والتعبير عن نفسه بالشعر وحده.. أول ما كتبه الشاعر هي القصيدة الطويلة “حارس الغابة” التي كتبها في العام نفسه، وما من شك حول الأهمية الأدبية لها رغم أن بعض التتر يعتبرونها محض حكاية للأطفال في سن الحضانة، فقد صارت جزءاً من الأدب والفولكلور التتري، تماما كما كانت بلاده تملأ عقله ووجدانه يقول في إحدى قصائده:

“سآخذ قليلاً من الصيف، الخريف، الشتاء

فهذا لقبي واسمي..

وماذا عن الفتيات بالخدود المتوردة والعيون السود والحواجب الداكنة؟

يمكنهن الانتظار لوهلة

سوف يأتي ذكر الحكاية يا قارئي

تمتع بقليل من الصبر لأنني عندما أكتب عن قريتي أضيع عقلي”..

وفي العام 1908 وخلال إقامته في غرفة بفندق بولغار كتب “سوق التبن” وهو كتاب نثري يسخر من طبقة الموظفين والتجار في ذلك الزمان. وعرف عنه ابتعاده عن النساء، رغم غرامه بـ”زيتونة مولدوفا” التي تكبره بخمسة عشر عاماً، ومن أجل عينيها كتب العشرات من قصائد الحب.. ومع ذلك فلم تتكلل علاقتهما بالزواج بسبب حالته المادية والصحية الصعبة.

في العام 1912 نشر ديوانه الأخير “غذاء العقل” وضم 43 قصيدة، وبعدها تدهورت صحته، لكنه وجد القدرة للكتابة في مجلة الشمس الأدبية عن المسرح، وفي الأيام الأولى من العام 1913، كتب قصيدة “الجليد” ذات الحس الفكاهي حول تصرفات أهل قازان خلال أوقات البرد والثلوج.. وفي الثالث والعشرين من شباط/ فبراير العام 1913، نقل إلى المستشفى بسبب إصابته بالسل، وخلال إقامته هناك لم يتوقف عن كتابة الشعر، كما عرف عنه اهتمامه بالكاتب الروسي ليون تولستوي فكتب عنه مقطوعتين شعريتين.

ينظر إليه كبطل قومي تتري وصارت قصيدته “آه يا لغتي الأم” نشيداً غير رسمي للغة التترية، وغالباً ما تتم مقارنة أشعاره بالكاتبين الإنكليزيين وليم شكسبير ولورد بايرون.

ورغم إنكار وجوده وموهبته خلال الحقبة السوفييتية الأولى إلا أنهم سرعان ما اكتشفوا عظمته كرسول للتعايش بين الشعوب، حيث جرى الاهتمام بقصائده الاجتماعية، ولكن في أيامنا الراهنة يجري الاحتفاء بقصائده التي تحاكي التقاليد الشعبية التترية..

كتب عنه مارك زاريتسكي: “حياة الشاعر جدُّ قصيرة، كانت مليئةً بالكفاح المضني، وبالعمل العظيم”. أما ميرسيد ميرشاكر الكاتب الطاجيكي فكتب: “عبد الله طوقاي، ابن الأمة التترية العظيمة غال على قلوب الطاجيكيين أيضاً فقد بنى جسراً يربط كبار مفكري وعقول روسيا مع الشباب، وأيقظ المثقفين في آسيا الوسطى، بما فيها طاجيكستان”. وعنه قال الشاعر الأوكراني إيفان  نيخودا: “شعب أوكرانيا لا يعرفون أبطال التتر في الحرب فقط، ولكنهم يعرفون أيضا المحاربين بالقلم، وعلى رأس هؤلاء يقف الشاعر العظيم طوقاي والذي أعتبره واحداً من أساتذتي”. أما الشاعر الفرنسي لويس أراغون فكتب: “محال أن أدباً غنياً كهذا غير مبني على أسطورة غنية من الماضي. قبل عشرين عاماً أخبرني صديق عن شاعر كلاسيكي تتري يدعى عبد الله طوقاي.. وفي قصيدة “ابتهال” يقول: “جاءت العبودية، فعدت إلى الأرض، كل ما تبقى لي هو تذكر أحلامي في أزمنة الحرية.. والآن أشعر بالخواء يملأ روحي لا تغضب كثيراً إذا استحال عملي إلى الخواء”.. وهذه البداية القاسية شقت الطريق للكتاب التتر المعاصرين”..

ذلك هو الشاعر عبد الله طوقاي الذي أصيب بالسل ومات في الخامس عشر من نيسان/أبريل العام 1913، لكن صوته الداعي إلى المحبة بين البشر لا يزال مدوياً:

“اطردوا العداوة أيها الأصدقاء

نحن أجساد منفصلة

ولكننا نملك قلوباً هجرت الشرَّ

نحن متصلون للأبد”….

كريم راشد

إعلامي وشاعر فلسطيني



shares