الشاعرة مارينا تسفيتاييفا.. شلال نياغرا جليل من الألم والموسيقى

تعطينا الشاعرة الروسية مارينا تسفيتاييفا  ( 1892 – 1941) مثالاً صارخاً لما يمكن أن تعانيه الروح البشرية في مواجهة قدر مأساوي، وحياة مليئة بالفقر والمعاناة والخيبات والجنون.. ومن قدرها المأساوي أنها لم تعرف الشهرة إلا بعد سنوات طويلة من وفاتها منتحرة في الحادي والثلاثين من شهر آب – أغسطس من عام 1941 بعدما سدّت أمامها سبل العيش الكريم ونالت من شظف العيش والمنفى القسري مالا تقدر أرواح كثيرة إن اجتمعت في جسد واحد على تحمله..

ومارينا ليست وحيدة في موتها فقيرةً، مجهولةً ومعدمةً، فقد سبقها في ذلك أدباء ومبدعون كثر، ألم يمت الرسام العالمي فان غوغ فقيراً ومعدماً فيما بيعت لوحاته بعد موته بسنوات بملايين الدولارات؟. لكن اللافت، في حالة تسفيتاييفا، أنها كانت تدرك، وبحزم، أن قصائدها سترى النور وستنال ما تستحقه رغم فقرها وقرارات منع نشرها وتداولها من رقابة صارمة لم تحسن تدبير الأمور، ولم تفلح في معرفة أن الشعراء أرواح مشغولة بالحب، ولا تعرف صناعة الكراهية التي يجيدها فقط صنّاع الحروب والجريمة..

الألبوم الأول

ولدت مارينا عام ١٨٩٢ لعائلة موسكوبية مثقفة، وقيل إن والدها كان أستاذاً لتاريخ الفن في جامعة موسكو، وقيل إنه كان كاهناً أرثوذكسياً، ومهما يكن عمل أبيها فقد عرفت مارينا بتميّزها عن باقي أفراد أسرتها، إذ بدأت كتابة الشعر وهي لا تزال في السادسة من عمرها، وفي السادسة عشرة نشرت ديوانها الأول “الألبوم المسائي” الذي بشّر بولادة موهبة شعرية فريدة من نوعها. لكنها، وعلى نحو غير مفهوم، عارضت، وبعنف، ثورة أكتوبر البلشفية، وكتبت قصائد تمجّد جيش القيصر المهزوم، ما جلب لها مشاكل مع الرقابة والسلطات الحاكمة آنذاك..

ومنذ العام 1922 وحتى عام 1940 ستعيش مارينا سنوات صعبةً من المنفى الإجباري.. عاشت في برلين ثم في براغ، وصولاً إلى باريس التي عاشت فيها مارينا سنوات أطول وكتبت فيها أفضل أشعارها التي لن ترى النور إلا بعد شنقت نفسها بحبل لفته حول عنقها، وهي في التاسعة والأربعين من عمرها، بدافع اليأس والجوع وفقدان الأمل والأهل بعدما شنق زوجها بتهمة الجاسوسية وسجنت ابنتها في سيبيريا القاسية لمدة 15 عاماً لن تنتهي إلا بعد سنوات من رحيل أمها، والمؤسف أن الأم والابنة لم تكونا تدركان أن اسم مارينا سيصبح من ذهب كأفضل شاعرة عرفتها روسيا في القرن العشرين المنصرم، وأن سيرة حياتها، وأشعارها، ستصبح شاغلة النقاد والأدباء في الشرق والغرب، وأساساً في بلدها روسيا الذي لم تجد فيه سبيلاً لحياة كريمة بسبب أوهام رقابية وسلطوية..

بوشكين رقم 2

ورغم العذاب الذي عانته مارينا طوال حياتها إلا أنها لم تفقد قط إيمانها بنفسها. فهاهي تقول في يومياتها في عام 1914 “لا أعرف امرأةً أكثر موهبة في الشعر مني. ولا حتى رجلاً. عليَّ أن أضيف ذلك. ما أستحقه هو أن أكون بوشكين رقم 2 أو الشاعرة رقم 1. هذا ما أستحقه”. كما كتبت في عام 1925 أثناء مجاهدتها في البحث عن ناشر “على أي حال، كل شيء سينشر بعد أن أموت”. وتكررت نبوءتها في إحدى قصائدها حيث تقول:

“أشعاري التي لم تقرأ!

المبعثرة فوق الغبار في المكتبات

(حيث لا أحد اشتراها ولن يشتريها!)،

أشعاري تلك، كما النبيذ المعتق،

سيأتي دورها”..

وكما كانت مخلصة لفنها الشعري في شعرها فقد أخلصت له في يومياتها التي بدأت كتابتها قبل الحرب العالمية الأولى، وتنتهي عشية الحرب العالمية الثانية. وهي يوميات وصفها دارسو سيرتها الحياتية والشعرية بأنها تمرين في القسوة يضع أمامنا مفاتيح أسرار الشاعرة، ولنسمع لا ضجة الدمار الذي كان يلف وطنها أولاً، والعالم فيما بعد، ولكن أيضا لنسمع الهمس الدافئ للأشياء التي كانت تبحث مارينا عن أسماء جديدة لها. تقول تسفيتاييفا في يومية لها: “لا يعرف الناس كم تشكّل الكلمات بالنسبة إليّ قيمةً لا متناهيةً. (أكثر من المال، لأنه يمكن لنا أن نعبّر عن العرفان بالجميل بسهولة أكبر!)”.

مليار بيت شعري

وتقول في اليومية ذاتها بثقة الصانع الماهر الذي يعرف كيف يتشكل قوام كيمياء الشعر: “لم أبحث عن قصائدي أبداً. إنها قصائدي التي تبحث عني. أضف إلى ذلك، تبدو غزارتها فائضةً لدرجة أنني لم أعد أعرف ماذا أكتب، أو ماذا أهمل. من هنا تجدون مليار بيت غير مكتمل، غير مدون”.

ولأنها كانت مخلصةً لفنها الشعري استحقت ما كتبه عنها الشاعر الروسي يفتوشينكو، في الأنطولوجيا الضخمة التي أعدها للشعر الروسي، إنها “شلال نياغرا جليل من العاطفة، الألم، الاستعارة، والموسيقى”.. ولعلي به لم يجانب الصواب إذا ما قرأنا أشعارها التي تفيض بالحب والألم والحزن الذي هو زاد كل روح شاعرة كبيرة..

كريم راشد

إعلامي وشاعر فلسطيني