سيرغي يسينين.. الموت ليس جديداً وكذلك العيش!

يبدو الشاعر سيرغي يسينين ( 1895 – 1925 ) أكثر الشعراء الروس حضوراً بالنسبة للقراء، والأدباء، العرب الذين فتنوا بسيرة حياته التي انتهت بالانتحار، وبأشعاره الفياضة بروح روسيا وطبيعتها وأحزانها العميقة..
لقد عبر يسينين حياته كسهم شديد السرعة.. وعلى الرغم من الحياة القصيرة التي عاشها إلا أنه استطاع أن يكتب، وينشر، الكثير من الشعر الذي تتناقله شفاه الروس، وعشاق الشعر الإنساني الراقي في العالم كلّه.. وهذا ما كان ليتأتى له إلا عبر أشعار جعلته يحظى بمكانة كبيرة نظراً لموهبته الشعرية الأصيلة التي لا تشبه سواها، وربما لهذا السبب برز اسمه في بدايات القرن العشرين المنصرم إلى جانب كثير من الأسماء الكبيرة في الشعر الروسي كفلاديمير ماياكوفسكي، والكسندر بلوك وتفاردوفسكي، وآنا أخماتوفا.
شعر أم مطر خفيف
وحسب تعبير ابن وطنه، الشاعر يفغيني يفتوشينكو، فإن يسينين هو أكثر الشعراء ” روسيةً “: (إذ ليس هناك شاعراً آخر خرجت قصائده من حفيف أشجار البتولا، من النقر الخفيف لقطرات المطر على سطوح القش لأكواخ الفلاحين، من صهيل الخيول في السهوب المغطاة بالضباب عند الصباح، من تأرجح الأقاحي، ومن الأغاني عند سياج القرية. تبدو أشعاره كما لو أنها لم تكتب بالقلم، بل وكأنها خرجت من تنفس الطبيعة الروسية ذاتها. لقد كانت حياته مليئة بالحنين، بالعشق، وبالخيبات..).
والمطلع على حياة يسينين يرى أنه، كشأن كثير من الشعراء الروس، عرف الحياة العسكرية كجندي محترف، كما أنه شهد أحداثاً حربيةً هامةً كثورة البلاشفة الروس 1917، وقبلها الحرب العالمية الأولى التي عرف من خلالها، وعن قرب، المآسي التي تجلبها الحروب للإنسان، بغض النظر عن ديانته وموطنه.. وقد كتب في هذا المجال عدة قصائد ضد الحرب.. ويقول في واحدة منها:
” لقد أكلت الحربُ روحي
من أجلِ مصالحَ غريبةٍ عني.. ”

سجن اسمه المدرسة

وكما نفر كاتبنا من الحروب، فقد كره مقاعد المدرسة، ويعتبرها سجناً وجحيماً للروح والجسد، أما حريته فهي في أحضان الطبيعة والشعر الذي رأى فيه لاحقاً ” أقاتلَ بالشعرِ وحده”.. ففي سن مبكرة بدأ بكتابة الشعر، لكن درب الشهرة لم يكن مفتوحاً أمامه بسهولة. وقبل أن تتعرف إليه الصالونات الأدبية عرف فقراً شديداً، فعمل في بيع اللحوم، وبائع كتب.. ورغم دخوله إلى الجامعة، ودراسته للتاريخ والفلسفة، لكنه تعلم من الحياة أكثر.. وربما لهذا السبب حصدت قصائده حضورها الواسع في أذهان الناس. كتب يسينين ذات مرة متسائلاً عن معنى أن يكون الواحد منا شاعراً فقال: ” ماذا يعني أن تكون شاعرا إنها تعني: فهما للأمور بتعمق كامل لذاتك بالرقة والحساسية.. وأن يعيش الناس في دمائك وأن يغتسلوا في عروقك”. وهاهو، أيضاً، يكتب في قصيدة له عن أهمية الشعر له ويقول:
” أستطيع بقصيدة
رائعة أن أنسى الكرب الزائد
ودون أن أتصادق إلى الأبد
مع الآلهة”

قتيل الغرفة خمسة
وغني عن القول إن عدم وصول الشاعر إلى سلام مع الآلهة، كما قال، يعكس اضطرابه، وقلقه الوجودي الذي دفعه إلى الانتحار يوم 27 كانون الأول، ديسمبر، من عام 1926، حيث لا يزال موته لغزاً محيّراً ما بين من يقول إنه انتحر، ومن يقول إنه قتل عمداً. وفي غرفة الفندق، التي تحمل الرقم خمسة، حيث وجد يسينين مشنوقاً وجدت أيضاً رسالة، بل قصيدة شعرية، مفعمة بالكآبة والحزن وفيها يقول:
” ليس جديداً أن نموت في هذه الدنيا،
وأن نعيش، بالطبع، ليس جديداً أكثر”..

إنها برهة من تلاشي الفارق بين الموت والحياة دفعت بالشاعر إلى اختيار الذهاب إلى الضفة الأخرى من الحياة: إلى الموت. ولا مراء أن انتحار يسينين، وهو لايزال في الثلاثين من عمره، لم يكن نتاج لحظة هياج وحزن شديدين، بل تراكمات سنوات كثيرة من القلق والعذاب لم تستطع روحه الحساسة تحملها فآثر الاحتجاج بالموت، لعل موته يوقظ ضمائر من دفعوه لمصيره المأساوي، ولعلنا نعي جيداً أن على هذه الأرض ما يستحق أن نحيا من أجله، ولكن بكرامة وإنسانية ومن دون خوف وظلم وفقر.

سبق لي وكتبت عن سيرغي يسينين ولفظت في الثمانينيات اسمه أمام حسب الشيخ جعفر الذي قال لي ألفظه هكذا وليس هكذا، وكنت كلما أميل بفمي لا أصل إلى النتيجة التي يريدها حِسب من لفظ (يسنين) بالطريقة الصحيحة ولذلك ظل هذا الشاعر الروسي عالقا في مخيلتي.

وقلت كنت قد كتبت عنه، وعندما أعدت قراءته مرة أخرى وجدت ما هو مكشوف في إتجاهاته الشعرية، فيسينين لا يستخدم الفلسفة مقودا نحو الشعر، ولا يحوك الألفاظ كي تسود السوداوية عالمه، ولا معوقات أمام دفقه الشعري، وقد تكون الواقعية التي تميز بها الأدب الروسي وأنجبت عمالقته في الشعر والقصة والفنون الأخرى قد إنصهر يسنين في بودقتها الشعرية، فروسيا الفسيحة، روسيا الثلوج والقمح والجبال والأنهر والقرى، روسيا النساء الجميلات، روسيا الفودكا، روسيا الموقف المتصارع لما يقارب زهاء قرن من الزمن لصراع الشغيلة وبؤس طبقة الفلاحين، روسيا الرايات الحمر والقطارات ودخان المصانع، قد هيئات موجوداتها المجانية لهذا الشاعر سلفاً.

كان إشتغال يسينين في موجودات بيئته تحفيزا لذاكرته الشعرية على إعادة تمثيل وإعادة هضم الرؤى الشعرية التي تنافست لإصطياد الصور الشعرية المعبرة بلغة أمينة يستسيغها الجميع ويتوقع منها الكثير كانت لغة يسينين لغة مناجاة لكل الأشياء التي كانت تعيش محيطه الروحي ومنها كان يتحرك بانتقالات يتوسع فيها الى ما يريد، وكان شعره حداء كونه أولع في طفولته بالأغاني الشعبية وكان مقلدا ومرددا ومعيدا لتلك الأغاني ومعجبا أيما إعجاب بغوغول ومستكشفا طرقا أخرى وليست مشابهة لتلك التي كان يسير بها الكسندر بلوك، لقد أحب يسنين قريته التي هجرها لكنه لم يهجر ذاكرته فيها وبقيت الوحشة السيد المتسلط على روحه التي تراكمت عليها كما يقول في “أشجار البطم والثلوج”:

أما الأن

فلا تزال العاصفة تعصف

وكأن تلك الندَّبة

العاصفة اللئيمة

تغني

كألف قندلفت

ويتراكم الثلج

كأعقاب الخنازير

وليس خلف التابوت

صديق ولا زوجة.

توج يسينين ذاكرته تلك بذاكرة الترحال فأزدحمت تجربته الشعرية هذه المرة بدلا من أدوات الإستفهام عبر أسئلته التي أكثر من التساؤل عنها الى توصيات لنفسه بالثبات والتوقف أمام مفهوم اللاجدوى، فهو عندما كان يبدأ بالأمل المفقود وباللامخرج وبالضيق من مسافات العالم المتلاصقة سرعان ما يخرج من بين تلك الصور الشعرية صورا تدعو الى الترقب والإنتظار، صورا رقيقة ناعمة لكنها لا تريد أن تكشف جولتها المرتقبه مع هموم الحياة وقساوتها:

أدعك الرسالة

وأغوص في رعب عميق

أحقا ليس لي مخرج

في طريقي المنشود

ولكن

كل ما أفكر به

سأحدثكم عنه لاحقاً

سأتحدث عنه

في رسالتي القادمة.

لقد شكل الحزن جرحا عميقا متدفقا بالآلام مزدحما بصور الأزهار الذابلة والأسيجة الخشبية المتهدمة والمحراث المنكسر والحصان الثقيل، وقد اشترى الشال الذي أوصته أمه لها والسروال لوالده وبقيت الرسالة التي أرسلتها له أمه على الطاولة.

كريم راشد

شاعر وإعلامي فلسطيني



shares