متنزهات موسكو…عندما يعانق التاريخ أحضان الطبيعة

وضعت السلطات الروسية  خططا وقوانين صارمة للحفاظ على الحد الأدنى من المساحات الخضراء والمواقع التاريخية والطبيعية والترفيهية للحد من  التوسع العمراني المتسارع والزحف الإسمنتي المهول لمدينة موسكو وإلتهامها لأراضي شاسعة بفعل الضغط السكاني. وتعد المتنزهات والحدائق من أهم معالم موسكو، وإضافة إلى طبيعتها الخلابة التي تشكل متنفسا للإبتعاد عن صخب المدينة، فإن لهذه المتنزهات بعدا ثقافيا وتاريخيا وفنيا، حيث تنظم مهرجانات وعروض وأنشطة مختلفة طوال السنة. وأكثر ما يبهر الزائر لهذه المتنزهات هو الدخول المجاني إلى غالبيتها الساحقة، وفي بعض المنتزهات تخصص أيام  لدخول المتاحف المتواجدة فيها مجانا شهريا.

حديقة ألكسندر

حديقة في وسط موسكو، تقع على طول الجانب الشمالي الغربي من جدران الكرملين لمسافة 865 متر. تم إنشاؤها بين عامي 1819 و1823 بفضل جوزيف بوفي، المهندس المعماري الروسي من أصول إيطالية، الذي صمم أيضا مسرح البولشوي وأشرف على إعادة بناء موسكو بعد حريق عام 1812. خلدت الحديقة في العديد الأعمال الأدبية العظيمة، من بينها رواية “المعلم ومارغريتا”. من أهم معالم الحديقة نافورة “كيزر” ذو أربعة جياد كرمز للفصول الأربعة وبرج كوتافيا الذي يعتبر من المداخل الرئيسية للكرملين وجسر ترويتسكي والمغارة الإيطالية ومسلة سلالة رومانوف. تموقع حديقة ألكسندر قاب قوسين أو أدنى من الساحة الحمراء يجعلها مكانا مثاليا للاسترخاء بعد يوم طويل من مشاهدة معالم المدينة أوالتسوق.

مركز معارض عموم روسيا … حديقة “فدنخا”

كانت بداياته قبل الحرب كمعرض زراعي. سنة 1959 تم تسميته “معرض إنجازات الاقتصاد الوطني”، ثم سمي سنة 1992 “مركز معارض عموم روسيا” ويعرف إختصارا بإسم VDNKh. يضم معارض صغيرة وكبيرة مختلفة، بما في ذلك معرض موسكو للكتاب في سبتمبر/أيلول من كل سنة بالجناح الحديث رقم75، فضلا عن العديد من ألعاب الملاهي من بينها دولاب هواء يعتبر من بين الأكبر في أوروبا بقطر يبلغ 70 مترا. تعتبر نافورة “الصداقة بين الشعوب” واحدة من أهم رموز الحقبة السوفيتية العديدة في المتنزه، حيث كانت ترمز إلى وحدة شعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، إضافة إلى منحوتة “العامل والمزارعة” من تصميم النحاتة السوفياتية فيرا موخينا، والتي نصبت على قاعدة عالية قبالة المدخل الشمالي للمتنزه. إلى جانب إحتوائه على مساحات خضراء وحديقة نباتية، يجتذب المتنزه راكبي الدراجات لتوفره على مسارت معبدة مخصصة لهم وأكشاك توفر كل المعدات اللازمة، أما في فصل الشتاء  فيصبح المتنزه القبلة الأولى للمتزلجين في موسكو بإحتضانه أكبر حلبة للتزلج على الجليد من الثلج الإصطناعي في العالم، حيث يغطي الجليد مساحة قدرها 20,549 متر مربع.

متنزه غوركي “بارك كلتوري”

إفتتح سنة 1928 وبعد أربع سنوات تمت تسميته بمتنزه غوركي نسبة للكاتب مكسيم غوركي. إسمه الكامل “متنزه غوركي المركزي للثقافة والترفيه”، هو نموذج لمنشآت مماثلة في العديد من المدن السوفياتية. يتميز بموقعه القريب نوعا ما من مركز المدينة. يرتفع عدد الزائرين خلال فصل الصيف حيث تنظم ورش عمل تعليمية ومحاضرات ودروس في الرقص بالهواء الطلق. يعج بمحلات تأجير الدراجات، حيث يعتبر متنزه غوركي أنسب مكان لبدء جولة على الدراجة لزيارة أهم معالم وسط موسكو وإلتقاط الصور في وقت وجيز دون الحاجة لإستعمال وسائل النقل التقليدية. يتوفر المتنزه على أراجيح وكراسي قابلة للطي للجلوس على ضفاف نهر موسكفا،  كما أن خدمة الواي فاي مجانية وتغطي تقريبا كامل أرجاء المتنزه. في فصل الشتاء يمكن ممارسة التزلج بحلبة تتواجد في الداخل. طوال السنة، يعتبر متنزه غوركي نقطة إنطلاق العديد من المراكب للقيام بجولة حول موسكو عبر نهر موسكفا. اليوم، يعتبر كل من متنزه “فوروبيوفي غوري” و”حديقة نيسكوشني” و حديقة الفنون “موزيون” جزءا من متنزه غوركي المركزي للثقافة والترفيه.

حديقة النصر

تأسست في 1961، وهي في شكلها الحالي منذ عام 1995 إثر الذكرى الخمسين لانتهاء الحرب. المتنزه بمثابة نصب تذكاري للمنتصرين من جميع الطوائف والجنسيات، وكذا القتلى والناجين من الحرب العالمية الثانية. تبلغ مساحته حوالي 98 هكتار وتغطي الأشجار ثلثه. يقع على تل بوكلونايا أو تل الإنحناء ذو الموقع الإستراتيجي الذي كان سابقا يقع خارج مدينة موسكو وكان المسافرون القادمون من الغرب ينحنون تحية لموسكو من هناك. في عام 1812 بعد معركة بورودينو انتظر نابليون على التلة عبثا لاستسلام مفاتيح المدينة، لذلك إعتبر السوفييت متنزه النصر كتخليد للإنتصار على نابليون.

يتواجد بالمتنزه “متحف الحرب الوطنية العظمى” (من10:00إلى19:30 ماعدا يوم الإثنين وكذا الخميس الثالث من كل شهر) ومعرض لدبابات وطائرات ومختلف الأسلحة والمعدات العسكرية في منطقة مغلقة بالهواء الطلق(يوميا من10:00إلى19:30 ماعدا يوم الإثنين). للمتنزه خمسة مسالك تعبرعن السنوات الخمس للحرب بين عامي1941و1945 وتقود إلى ساحة النصر الأثرية والمسلة التي يبلغ إرتفاعها 141.8مترا إشارة إلى مدة الحرب البالغة 1418يوما، زينت بتمثال لنيكه، رمز النصر عند اليونانيين، ونصب معركة سانت جورج مع التنين، رمز إنتصار الخير على الشر. كل هذه الأعمال هي من تصميم الفنان زوراب تسيريتيلي. بالإضافة إلى النوافير في الجزء الأمامي والعديد من المعالم الأثرية في الجزء الخلفي من المتنزه، إفتتحت سنة1995 كنيسة القديس جورج المسيحية الأرثوذكسية ذو القبة الذهبية و لاحقا سنة1997 إفتتح المسجد التذكاري ثم المعبد اليهودي التذكاري سنة1998.

متنزه تساريتسينا

تساريتسينا أو مكان القيصرة سمي تيمنا بالإمبراطورة كاترين الثانية التي إشترت أرض المتنزه الحالي سنة 1775 بعدما سقطت في حب جمال طبيعته الخلابة إثر تجولها هناك. سنة 1785 أتم المهندس فاسيلي بازينوف بناء قصر للإمبراطورة هناك لكن هذه الأخيرة أمرت بهدمه حيث إشتكت من أن الغرف ضيقة ومظلمة ووصفت القصر بأنه غير صالح للعيش. بعد عام واحد عرض المهندس المعماري ماتفي كازاكوف مخططات معمارية جديدة لبناء قصر ضخم على قطعة الأرض التي إشترتها كاترين الثانية فوافقت عليها، لكن عندما شارف البناء على الانتهاء، توفيت كاترين الثانية فجأة عام1796. ومات الإهتمام بالقصر ومحيطه وتم التخلي عنه لما يقرب عن القرنين. سنة 1980تم تجديد المبنى تدريجيا في المتنزه، وبين عامي2005 و2007 أقيمت أعمال صيانة وترميم واسعة للقصر  وملحقاته.

يضم متنزه تساريتسينا الواقع حاليا  بجنوب موسكو “متحف تساريتسينا الحكومي الإحتياطي التاريخي والمعماري للفنون والمناظر الطبيعية” (من9:30 إلى18:00 ماعدا يوم الإثنين)  ومجمع القصر ونافورة موسيقية فضلا عن مناظر طبيعية خلابة من برك وجداول  وتلال وحدائق زهور وأشتال فاكهة. يغطي المتنزه مساحة 405 هكتارا.

الحديقة الصيدلية

واحدة من أقدم الحدائق في موسكو، إسمها الكامل “الحديقة النباتية لجامعة موسكو الحكومية: الحديقة الصيدلية”. أنشئت سنة 1706 على يد بطرس الأكبر، ثم نقلت لاحقا من داخل أسوار الكرملين إلى ما كان يعتبر آنذاك بمثابة الضواحي الشمالية لموسكو. أما اليوم، فموقع الحديقة بشارع بروسبيكت ميرا، أحد شرايين قلب موسكو.   إقتصرت الحديقة في بداياتها على زراعة النباتات الطبية، وبهذا إستمدت إسمها كحديقة صيدلية، حيث كانت مستشفيات موسكو وأكاديمية الطب الجراحي تستخدم النباتات التي تزرع في تحضير الأدوية. وفقا للأسطورة، ونظرا لفوائدها العلاجية، زرع بطرس الأكبر بنفسه في الحديقة ثلاثا من الأشجار الصنوبرية – شجرة الأرزية وشجرة الشوح وشجرة التنوب، هذه الأخيرة لا تزال أعداد منها على قيد الحياة. سنة 1805 إشترت جامعة موسكو الحكومية “الحديقة الصيدلية” لفسح المجال لطلاب الطب وعلم النبات للإستفادة من كنوزها وتسخيرها في أبحاثهم ودراستهم، لازلت الحديقة في عهدة جامعة موسكو الحكومية إلى يومنا الحالي. تحتوي الحديقة اليوم على أشجار تتراوح أعمارها بين 250 و300 سنة، إضافة إلى مجموعة من النباتات المدهشة والنادرة داخل  بيوت صناعية بنيت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبركة مائية ودفيئات زراعية لنباتات إستوائية وشبه إستوائية. رغم صغر حجمها، حازت “الحديقة الصيدلية” على شهرة واسعة داخل روسيا وخارجها مما جعل منها مكان جذب سياحي مهم لموسكو(يوميا من10:00 إلى21.00)، أما على الإنستغرام فإن وسم “الحديقة الصيدلية” هو الأكثر شعبية بين الحدائق النباتية في العالم والأكثر شعبية بين جميع مناطق الجذب الروسية.

من بين أشهر المتنزهات في موسكو هناك  أيضا متنزه إزمايلوفسكي الضخم للثقافة والترفيه وحديقة ارميتاج لعشاق الأوبرا والباليه والحفلات الموسيقية ومتنزه سيريبرياني بور الذي يشكل محمية لعشرات الثدييات والطيور النادرة والنباتات وأشجار الصنوبر ومتنزه فيلي لعشاق السباحة بالصيف ومتنزه كولومنسكايا لعشاق الطبيعة والتاريخ والذي يحوي العديد من المعالم التاريخية من بينها كنيسة الصعود المدرجة من طرف اليونسكو كموقع للتراث العالمي، بالإضافة إلى كل من متنزه سوكولنيكي ومتنزه كوزمينكي ومتنزه برك البطريرك (باتريارشي برودي) ومتنزه تشيستي برودي ومتنزه كوسكوفو ومتنزه بيتسيفسكي و متنزه نوفوديفيتشي.

إعداد: عرفات طه