ألكسندر بوشكين…الشاعر المتمرد

 

حلت بداية هذا الاسبوع الذكرى 218 لميلاد الشاعر والكاتب الروسي ألكسندر بوشكين، أمير شعراء روسيا  ومؤسس الأدب الروسي الحديث. لعبت أعماله الأدبية دورا حاسما في إغناء اللغة الروسية وإعادة الإعتبار إليها في وقت كانت فيه اللغة الفرنسية طاغية على الأدب ونخب المجتمع الروسي. نأى بنفسه عن الأدب الرومانسي في أوروبا الغربية، فقام بإسبتدال الأنماط الأدبية الروسية الجامدة القديمة بخطاب حيوي يمزج فيه الهجاء والرومانسية والمسرح ثم الواقعية، مما أفضى إلى تشكيل المدرسة الأدبية الروسية الحديثة.

حفيد أمير حبشي

ولد ألكسندر سيرغييفتش بوشكين في 6 يونيو/حزيران سنة 1799 في موسكو. ينحدر والده من عائلة عريقة من النبلاء الروس تمتد جذورها إلى القرن 12، أما والدته فتنحدر من جهة جدتها لأبيها إلى أصول إسكندنافية وألمانية نبيلة، بينما كان جدها لأبيها مهندسا وضابطا عسكريا مرموقا ومن النبلاء المقربين من الإمبراطور بطرس الأكبر، وكذا إبن أمير حبشي قبل أسره من طرف العثمانيين إثر الحرب في الحبشة وإستقدامه صغيرا للقسطنطينية ثم أخذه من طرف السفير الروسي بعد سنة واحدة للإمبراطور. لهذا ورث بوشكين بعض الملامح الإفريقية من جده الأكبر كالشعر المجعد والشفتين الغليظتين. أثناء طفولته كان تعلق بوشكين باللغة الفرنسية أشد منه باللغة الروسية، فكتب أولى قصائده باللغة الفرنسية. لكن إحساسه باللغة الروسية تنامى لاحقا بعدما عملت جدته على غرسها فيه وكذا تأثره بالأعمال الأدبية لعمه، ليو بوشكين.

الأرستقراطي الثائر

نظم بوشكين أولى قصائده أثناء دراسته بمعهد النبلاء الشهير “تسارسكوي سيلو” بين سنتي1811و1817، فكشف عن موهبة لم تبهر أصدقاءه ومعجبيه فحسب، بل لفتت أنظار عمالقة الأدب الروسي آنذاك كجافريل ديرجافين وفاسيلي جوكوفسكي ونيكولاي كرامزين. بعد تخرجه عمل بورزاة الخارجية لكن لم يقطع صلته بالشعر، فكان يرتاد أندية سان بطرسبرغ الأدبية باستمرار وتبنى أفكارا تدعو إلى الحرية والعدالة الإجتماعية والتغيير السياسي وإنتقد إسترقاق الفلاحين وإستبداد النبلاء رغم إنتمائه إليهم، إنعكست هذه الأفكار الثورية على قصائده وإنتشرت مثل النار في الهشيم بين الشباب والطبقات الناقمة على الإمتيازات التي يحضى بها النبلاء من القيصر، فما كان من هذا الأخير إلا نفى بوشكين إلى بقاع بعيدة عقابا له ووضعه تحت المراقبة، حيث ذكر في مرسوم قرار القيصر أن بوشكين “قد غمر روسيا بقصائده الوحشية”. أولى تلك  البقاع وأبرزها كانت القوقاز.

المنفى…رب ضارة نافعة

بعد إنتهائه من كتابة ونشر أول قصيدة متكاملة “روسلان وليودميلا”، نفي بوشكين إلى القوقاز سنة 1820، قضى هناك ثلاث سنوات يعدها المؤرخون المرحلة الذهبية في حياة بوشكين الأدبية، ألف فيها رائعته “يفغيني أونيغين” وتعرف فيها على حياة الشركس وعاداتهم وتأثر برسالة الإسلام والأدب العربي، فشغف بالقرآن الكريم والتراث الإسلامي والرسول محمد وإستلهم منهم قصائده “الأسير القوقاوزي” و”قبسات من القرآن” و”ليلة القدر” و”الرسول” و”الأخوة الأشرار” و”محاكاة عربي” و”ليلى العربية” وغيرها. في نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1825 توفي القيصر ألكسنر الأول وتولى قسطنطين الحكم الذي تخلى عنه لأخيه نيقولا. سرعان ما قامت ثورة الديسمبريين في 14ديسمبر/كانون الأول عام 1825. كان بوشكين متعاطفا مع الديسمبريين، لكن نيقولا الأول سحق الثورة فأعدم مجموعة من الثوار ونفى بقيتهم إلى سيبيريا. لكن في نهاية المطاف، دفعت التورة القيصر للقيام بإصلاحات سياسية وإجتماعية. ظلت علاقة بوشكين بالقيصر متوثرة على الدوام، إلى أن دعاه نيقولا الأول من منفاه إلى موسكو لمقابلته، حاول القيصر إستمالة بوشكين وجعله شاعر بلاط يتغنى به وبإنجازاته، كما حاول بوشكين التقرب من القيصر لبدء حياة مستقرة. ألف بوشكين خلال هذه المرحلة رواية “ابنة الضابط” والمسرحية التاريخية التراجيدية  “بوريس غودونوف” وكتاب “تاريخ بوغاتشيوفا”.سنة 1831 تزوج بوشكين  بأجمل نساء موسكو “ناتاليا جانتشروفا” وأنجب منها 4 أبناء.

المبارزة الأخيرة

تناهى إلى مسامع القيصر أن بوشكين ينتقد سياساته، فقام بنفيه من جديد إلى بقاع عديدة وكلفه بأعمال لاتليق بمكانته، فتحولت حياة بوشكين إلى جحيم وإتهم بالخيانة. بحلول خريف عام 1836، كان بوشكين يغرق في ديون مالية أكبر فأكبر ويواجه شائعات فاضحة بأن لزوجته علاقة غرامية مع أحد النبلاء الفرنسيين، يدعى “جورج دانتس”، فأرسل بوشكين رسالة تحدي إليه لمبارزته فقبلها لكن تم تأجيلها لأسبوعين، لكن جهود أصدقاء بوشكين أدت إلى إلغاء المبارزة. تزوج دانتس لاحقا أخت زوجة بوشكين، لكنه لم يغير من الوضع شيئا، فواصل دانتس ملاحقة ناتاليا جانتشروفا في الأماكن العامة  وإنتشرت شائعات بأن دانتس تزوج أخت ناتاليا فقط لإنقاذ سمعة هذه الأخيرة، في 26 يناير/كانون الثاني من عام 1837 أرسل بوشكين رسالة مهينة لدانتس لإغاظته ودفعه للمبارزة، فكان له ما أراد. جرت المبارزة في  27 يناير/كانون الثاني، أصيب بوشكين بأول جولة في الورك وتوغلت رصاصة في بطنه، في ذلك الوقت كان هذا النوع من الإصابة قاتلا. بعد يومين، في 29 يناير/كانون الثاني على الساعة 14:45 توفي بوشكين جراء التهاب الصّفاق. إلى حد اليوم، لازالت حيثيات مقتل بوشكين وتحرش دانتس بعائلته غامضة ويوجه الكثير من المؤرخين بأصابع الإتهام إلى القيصر ومقربيه في تدبير مكيدة الزج ببوشكين في المبارزة مع دانتس، حيث أن نتيجتها كانت محسومة لأن دونتس كان ضابطا عسكريا مدربا على إستعمال الأسلحة النارية بينما كان الشعر سلاح بوشكين. بعد ممات بوشكين توطدت علاقة زوجته بالقيصر وأشيع بأنها أصبحت من عشيقاته، إلى أن تزوجت سنة 1844 من بيتر بتروفيتش لانسكوي بعد مباركة القيصر لزواجهما.

قلم لن يتكرر

حاز بوشكين في مخيلة الروس على صورة الرجل الكامل الذي وظف موهبته للدفاع عن المستضعفين من فلاحين وصناع وحرفيين والوقوف في وجه الاستبداد السياسي والاجتماعي، فتحول أدبه الواقعي إلى موروث يسكن عقول وأفئدة الأجيال المتلاحقة. كشاعر وروائي وكاتب مسرحي وناقد، تمتع بوشكين بإتقانه الماهر لجميع الأنواع الأدبية مما جعل منه أب اللغة الأدبية الروسية. رغم أن بوشكين لم يعش إلا 36 عاماً، لكن أعماله الأدبية كانت غزيرة ومتنوعة فسميت فترة نشاطه بالعصر الذهبي للشعر الروسي. بالإضافة إلى ذلك فقد ساهم بوشكين في مد جسور التقارب بين الأدب الروسي من جهة والآداب العربية والشرقية من جهة أخرى.

اعداد :عرفات طه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



shares