أستراخان.. صرح تاريخي شاهد على حضارات التتار والروس

أستراخان، مدينة روسية عريقة تقع على بعد 1500 كيلومتر جنوب شرق موسكو، تشتهر بجمال طبيعتها، بفضل تواجدها على ضفاف الفولغا، بالإضافة إلى إطلالها على بحر قزوين، عند ملتقى قارتي أوروبا وآسيا.

وتشتهر المدينة بتنوع سكانها العرقي من حضارات وقوميات مختلفة، فهناك الروس الأرثوذكس والتتار المسلمون الذين يربطهم تاريخ وثيق، بعد أن وقف التتار في وجه الجنود السوفييت لحماية الكنائس، وشكلوا سلاسل بشرية للحيلولة دون اقتحامها وتدميرها.

وشهد إنشاء المساجد في أستراخان نمواً كبيراً في السنوات الأخيرة، حتى بات عددها يفوق 35 مسجداً، وكان المسجد الأخضر من أهم معالم أستراخان، فقد تم إنشاؤه في أوائل القرن الثامن عشر، قبل أن يتم تدميره خلال الثورة البلشفية، ويشابهه في المكانة والمصير المسجد الفارسي، الذي شيد في العام 1860.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأت تتوالى عمليات ترميم المساجد المهدمة بشكل معماري فريد، مثل المسجد الأسود ومسجد القوقاز والمسجد الأبيض، وتُعَدّ أستراخان في الوقت الحاضر من أكبر المدن الروسية التي تضم دور عبادة للمسلمين.

الإسلام في أستراخان

اعتنق سكان أستراخان الإسلام في القرن الثاني عشر عندما حكم المدينة القائد المغولي بركة خان، الذي ترعرع، بوصية من والده جوجي جنكيز خان، على يدي أحد العلماء المسلمين في أوزبكستان، وحرص القائد المغولي على التعاطف مع المسلمين إلى حدٍّ ما والعمل بالشريعة الإسلامية في أمور كثيرة، وهو الأمر الذي كان له الأثر الكبير في صفوف جيشه واعتناق معظمهم للديانة الإسلامية، وذُكِرت أسترخان في كتب الرحالة والمؤرخين العرب، مثل ابن بطوطة وأحمد بن فضلان اللذين زارا المدينة وأطلقا عليها اسم “الحاج طرخان”.

معالم أستراخان الحضارية

تتألف أستراخان من مجموعة جزر تربطها الجسور المتعلقة ببعضها، ومن أهم معالمها الرئيسة: الكرملين والمدينة البيضاء، ويقع الكرملين في وسط المدينة، ويشتهر بجدرانه الحصينة والمنيعة، التي تحيط بقصور الطبقة الحاكمة في عصور مختلفة، بالإضافة إلى بيوت فارهة للنبلاء والكهنة ورماة الرماح، وكانت ملاذاً لهم أثناء الحروب المتكررة التي تعرضت لها المدينة.

كما يشتهر كرملين أستراخان بأبراج المراقبة، ولكن تحصينها لا يضاهي كرملين موسكو.

واشتهرت أستراخان قديماً بالحركة التجارية النشطة، عندما كانت مركزاً تجارياً للقوافل يربط شرق أوروبا مع غربها ومع الشرق الأوسط.

مدينة الكافيار والفراء الفاخر

تستقطب أستراخان سنوياً آلاف السياح من هواة صيد السمك، وخاصة الباحثين عن الأسماك النادرة التي تشتهر بها المدينة، مثل سمك “الحفش الأحمر” وسمك “الفوبلا الضخم”، الموجودين بكثرة في نهر الفولغا وبحر قزوين، وينتج عن هذين النوعين تحديداً أفضل أنواع الكافيار الأحمر والأسود في العالم.

كما يُعَدّ الفرو الأسترخاني من أهم قطاعات التجارة في المدينة، وهو فرو ثمين يُصنع من ضأن فصيلة خراف “كاركول” الفريدة والتي تكثر في أستراخان، ذات الخصوصية النادرة في طريقة تجعيده وملمسه الناعم، وتلقى صناعته اهتماماً يجذب الكثيرين من شتى أنحاء العالم.

أستراخان معلم ثقافي وحضاري على مر العصور

تكثر في أستراخان المتاحف المتنوعة، ما بين متحف للدمى، ومتحف الكاتب الروسي تشيرنيشيفسكي وغيرهم، أما أبرزها فهو المتحف المعماري، الذي يحتوي على مجموعة فريدة من المعالم الأثرية، تعود حقبتها إلى عهد الخزر، ولوحات وتماثيل يزيد عمرها عن ستة قرون. بالإضافة إلى مكتبات تحتوي على نسخ لمجلدات وموسوعات ذات قيمة تاريخية ثمينة.

وتبقى هذه المدينة الساحلية مزدهرة كما كان حالها في القرون الماضية، ولم تفقد أهميتها الإستراتيجية في البلاد، وتربط اليوم من خلالها التجارة والتعاون مع جميع بلدان بحر قزوين، وتشكل موانئها إحدى أهم نوافذ روسيا البحرية.



shares