سامي الدروبي: أفضل مترجمي دوستويفسكي للعربية لا يجيد الروسية


من المتفق عليه أن الدبلوماسي، الأديب والمترجم السوري الراحل، الدكتور سامي الدروبي (1921-1976)، هو من أفضل الذين ترجموا الأدب الروسي إلى اللغة العربية، حيث قدَّم لنا ترجمةً كاملةً لأعمال دوستويفسكي والتي يزيد عدد صفحاتها على 11 ألف صفحة..

كما أنه ترجم خمسة مجلدات من المؤلفات الكاملة لتولستوي عدد صفحاتها خمسة آلاف صفحة.. والغريب في حالة الدروبي أنه قدَّم لنا ترجماته الروسية عبر لغة أخرى هي اللغة الفرنسية.. ورغم هذه الحقيقة إلا أن ما قدمه يستحق التقدير والدهشة.. فالترجمة العربية التي قدمها، بشهادة الكثيرين، لا تقل جودةً عن النص الروسي الأصلي، مما جعلها الأكثر رواجاً عند القراء العرب في مختلف أقطارهم..

ودارس سيرة حياة الدروبي يجد أنه قد ترجم تولستوي ودوستويفسكي في سنوات مرضه التي امتدت من العام 1969 إلى العام 1976، وكأنه كان يحارب مرض القلب الذي ألَمَّ به بالترجمة والكتابة.. والغريب أن هذا المترجم السوري قد قدَّم في مسيرة حياته القصيرة نسبياً، إذ لم يتجاوز عمره الخامسة والخمسين حين فارق الحياة، الأعمال الكاملة لدوستويفسكي وتولستوي وعشرات الروايات الروسية الأخرى التي تعرَّف إليها القارئ العربي باجتهاد شخصي من مترجمنا.. ومن دون شك فإن ترجمة دوستويفسكي وحده تحتاج إلى عمر كامل من التعب والتفرغ الكامل، وهو أمر لم يكن متاحاً لرجل شغلت الدراسة والحياة الدبلوماسية شطراً واسعاً من حياته..

المترجمون المفسدون

وللدروبي آراء جديرة بالدراسة حول شروط الترجمة الناجحة، فها هو يقول في إحدى الحوارات التي أُجرِيَت معه: “الترجمة العلمية سهلة طبعاً، وكذلك ترجمة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، فلغة هذه العلوم لغة لا أقول إنها فقيرة على إطلاقي كلمة الفقر ولكن أقول إنها فقيرة نسبياً، وإنما الفن والثراء في لغة الأدب. أعتقد أنني لا أضيف جديداً إذا قلت إن الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لترجمة الأعمال الأدبية هي كما تحصى عادة، وكما يعددها سائر الباحثين في هذا الأمر ثلاثة، أولاً التمكن من اللغة الأجنبية التي تنقل عنها، ثانياً التمكن من اللغة العربية التي تنقل إليها، وثالثاً التمكن من المادة التي هي موضوع الكتاب أو البحث الذي تنقله إلى اللغة العربية”.

وكان يرى أنه من أجل ترجمة الأدب فلا بدّ من توفُّر الذوق الأدبي، وهذه موهبة، برأيه، تُصْقَل ولكنها لا تُتعلم “فمن لم يكن ذا موهبة لن يُحْقَن بموهبة، ولا يمكن أن يعلم كيف يتذوق الأدب. والتمكن من المادة هنا هو هذه الموهبة، هذا الذوق الأدبي”. والترجمات الرديئة، من وجهة نظره، هي التي تقوم بإفساد اللغة العربية، والهبوط بها إلى الركاكة، في الحين أن الشباب متعطش إلى قراءة الإنتاج الأجنبي الدسم. كما أنها تقوم، أيضاً، بإفساد المؤلفات المترجمة.. ولهذا كان يدعو إلى أن يكون المترجمون من أصحاب الأقلام، أي أن يكونوا أدباء جيدين لكي يستطيعوا أن يكونوا مترجمين جيدين..

والترجمة، عنده، ليست مسألة نقل من لغة إلى لغة، فمفردة الترجمة تعني التأمل في الذات والوجود، وقبل كل شيء في عوالم النص الأدبي المراد نقله من لغة إلى أخرى. ولعل في اختياره للفظة التأمل تعبير عن فهمه لرسالة المترجم التي يريد إيصالها لنفسه أولاً، وللآخرين من حوله ثانياً.. والرسالة تقول إننا لن نستطيع أن نكون مترجمين جيدين إذا لم نشعر عميقاً، وبشكل شخصي وحقيقي، بالأثر الأدبي الذي ننوي نقله من لغته الأم إلى لغتنا.. بمعنى أن يحرِّك، ما ننوي ترجمته، مشاعرنا وأحاسيسنا، وأن نشعر بضرورة أن يشاركنا الآخرون كنزاً أدبياً إنسانياً يدفعنا حبنا، له ولنفسنا ولعشاق الكلمات التي لها أجنحة، لتقديمه بترجمة لا تقلّ جودة عما هو عليه في نصه الأصلي.

سرّ الولع بدوستويفسكي

ولا شك في أن قيام الدروبي بترجمة كل مؤلفات دوستويفسكي لم يأتِ لغايات تجارية مالية.. فها هو يقول: “دوستويفسكي من الأدباء الذين لهم نظرة فلسفية، أو الذين كانوا أدباء وفلاسفة في آن واحد. بدأتُ بقراءة مؤلفاته بالفرنسية وأنا في السادسة عشرة من عمري، فما انقضت بضع سنين حتى أتيت على آثاره كلها، أعيد قراءتها بلا كلل أو ملل، حتى لقد أخذت أترجم بعض فصوله منذ ذلك الحين. استهواني ووجدت نفسي فيه، وما أظن أنني أخطأت التقدير منذ ذلك السنّ، ولاشك أن دوستويفسكي يمتاز بأنه معاصر دائماً”.

وفي مقالة للدروبي حملت عنوان “البعد النفسي في أعمال دوستويفسكي” نقرأ “العالم الذي يعيش فيه دوستويفسكي، من حيث هو فنان، عالم أفراد من البشر يدرك دخائلهم ويعايشهم حياتهم، وينفذ إلى سرائرهم ثم يصورهم كما رآهم في حقيقتهم الفردية هذه. وهو يلاحق هؤلاء الأفراد في اضطرابهم بين جنبات الحياة. يرى كيف يتصرفون وماذا يعانون وبماذا يحسون، وذلك كله من خلال الرواية التي يخلقها”.

لقد رحل د. سامي الدروبي منذ 35 عاماً ومازالت الألسنة تلهج بذكره الحسن، وبترجمته المرهفة والمتقنة، وهذا درس يجب أن يتعلمه كل المترجمين العرب إذا أرادوا أن يستمر ذكرُهم الطيب بعد مماتهم بسنوات طويلة..

كريم راشد- اعلامي وشاعر فلسطيني



shares