رغم العقوبات.. روسيا تطور تقنيات محلية لاستغلال نفط القطب الشمالي

بدأت روسيا مؤخرا الحفر في القطب الشمالي بحثا عن مكامن النفط التي تراهن عليها لاستخراج أكثر من رُبع إجمالي إنتاجها النفطي في المستقبل. وستكون هذه البئر واسمها “تسنترالنو أولغنيسكايا -1” أبعد بئر شمالي روسيا. فهي تقع عند طرف شبه جزيرة داخل الدائرة القطبية وأقرب إلى القطب الشمالي من أية مدينة مأهولة.

تقنيات محلية تكسر تأثير العقوبات

تشكل عملية حفر هذه البئر مأثرة هندسية إذ يتم استخدام معدات تم ترحيلها لمسافة 3600 كيلومتر عبر مياه متجمدة صالحة للملاحة خلال شهرين فقط في العام. وتشكل محاولة حفر هذه البئر واحدة من أصعب التحديات التكنولوجية في روسيا. فنظرا لوجود المكامن النفطية تحت مياه بحر لابتيف الثلجية التي كثيرا ما تتجمد، سيتم استخدام أحدث تقنيات الحفر الأفقي لبلوغ مسافة تصل إلى 15 ألف متر من الموقع الرئيسي.

ولكنها أيضا لحظة ظفر وانتصار لروسيا، التي بثت صورة رئيسها فلاديمير بوتين وهو يجتفل ببداية الحفر واصفا إياه بأنه يعكس مهارة محلية.

فقبل ثلاثة أعوام فرضت الولايات المتحدة وكذلك الاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا حظر بموجبها على شركات مثل “روسنيفت” الحصول على رأس المال والتقنية الأجنبيين. وكان حفر الآبار المعقدة هو بالضبط ذلك النوع من المشروعات الطموحة التي يفترض أن تجعل العقوبات تنفيذها مستحيلا. وكان أمل الحكومات الغربية هو أن يُعين الضغط على شركات الطاقة الرئيسية في روسيا على تغيير بوتين لحساباته السياسية. ولكن وكما تشهد بذلك مشروعات على شاكلة بئر “تسنترالنو أولينغينسكايا -1″، فقد دبرت كبرى شركات النفط والغاز الروسية أمرها لمواصلة عملياتها رغم ذلك.

وفي محادثته مع إيغور سيتشِن، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الروسية روسنفت، الذي كان متواجدا في موقع تدشين الحفر، قال بوتين: “الحفر الأفقي عملية معقدة وتنطوي على توظيف تقنية رفيعة. هذه هي البئر الأولى فقط. وهناك أعمال أخرى كثيرة في الانتظار”.

إن قدرة الشركات على التغلب على أثر العقوبات مسألة حيوية لمستقبل روسيا الاقتصادي. وتشير التقديرات الأولية بأن ما يصل إلى 9.5 بليون طن من المكافئ النفطي يرقد تحت الجليد، حيث يتجه جهاز حفر شركة “روسنيفت”. ويعتقد الخبراء أن منطقة الجرف القطبي التابعة لروسيا تحتوي كميات من النفط والغاز تصل إلى 20 تريليون طن، وستساهم بحوالي 20% إلى 30% من إنتاجها النفطي بحلول عام 2050.

ومنحت شركتا “روسنيفت” و”غازبروم” الحكوميتان الحقوق الحصرية لاستغلال هذه المنطقة. وقال بوتين في المحادثة المذكورة: “أتمنى لكم حظا سعيدا وأملي أن ينجح هذا المشروع”. وردَّ سيتشن بهزة رأس قائلا: “سنبلغكم ( بالنتائج) أولا بأول”.

فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والبلدان الغربية الأخرى العقوبات أول مرة في مارس/آذار 2014، بعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم وقدمت مساعدات عسكرية للانفصاليين الذين كانوا يحاربون في شرق أوكرانيا.

استهدفت هذه العقوبات بعض البنوك الرئيسية والشركات الدفاعية وشركات النفط والغاز التي يسيطر عليها الكرملين إلى حد كبير وتشكل القلب النابض للاقتصاد الروسي. كما نضبت مصادر التمويل الغربي مع وقف البنوك للمصادر التمويلية التي استهدفتها العقوبات مباشرة. والتزمت مبدأ “السلامة أولا” تجاه عقود التمويل الأخرى مع شروع المحامين في تفحص جوانبها القانونية الدقيقة. كما توقفت المشروعات المشتركة العالمية فجأة، وتم التخلي عن الاستثمارات المستقبلية.

يقول مسؤول تنفيذي كبير في مجموعة “غازبروم” لشركات النفط والغاز الحكومية، إن شركات كثيرة :”في البداية خافت وامتنعت عن التعامل معنا أو الاستثمار. فقد تم إعلان العقوبات وعلى الفور قوي إلى حد بعيد نفوذ المحامين وفرق التحقق من التقيد بالعقوبات (في الشركات الأجنبية)”. لا تزال العقوبات راسخة في مكانها على الرغم من انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة. وبالنظر إلى أن ترامب كان قد دعا إلى علاقات أوثق مع روسيا راجت في البداية توقعات بتخفيف أو إزالة العقوبات، خصوصا وأنه عين وزيرا للخارجية ريكس تيلرسون الذي كان في وظيفته السابقة كرئيس تنفيذي لشركة “إكسون موبيل” وقع اتفاقا بقيمة 300 بليون دولار للعمل مع شركة “روسنيفت” في المحيط المتجمد الشمالي.

ولكن نظرا للتفحص الدقيق الذي خضعت له إدارة ترامب حول روابطها مع المسؤولين الروس فقد تلاشى احتمال حدوث تحول في السياسة (الأمريكية تجاه روسيا.) ورغما عن ذلك لم يكن للعقوبات أثر مستديم. ربما تكون قد سببت صداعا قصير الأجل للاقتصاد الروسي. فقد طلبت “روسنيفت” ما يساوي أكثر من 36 بليون دولار من صندوق إنقاذ مالي تابع للدولة في أكتوبر/تشؤين الأول 2014، لمقابلة مدفوعات ديون أجنبية. ولكن العامل الأكثر أهمية كان الانهيار المتزامن (مع العقوبات) لأسعار النفط والذي شكل ضربة تصدت روسيا لآثارها جزئيا.

فمع هبوط سعر النفط إلى مستويات متدنية لم تشاهد منذ عشرة أعوام، انكمش اقتصادها إذ هبط الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.7% في عام 2015 و0.2% في العام الماضي. ولكن خلال الأشهر التسعة الماضية، تعافى سعر النفط قليلا وأيضا اقتصاد روسيا.

الاقتصاد الروسي يتعافى

وحتى بدون أي تخفيف للعقوبات، من المتوقع أن يحقق الاقتصاد نموا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.5% في العام القادم، بحسب وزارة الاقتصاد. ويعتقد أبورفا سانجي، كبير الاقتصاديين بالبنك الدولي في موسكو، بوجود إجماع عام يرى أن صدمة سعر النفط “قَزَّمت” العقوبات. ويقول ان ما قامت به السلطات الروسية خلال الأعوام القليلة الماضية لتثبيت الاقتصاد الكلي كان شيئا متميزا، ويمكن لمن يريد مشاهدة نتائج ذلك.

وفي ذات الوقت اكتشفت شركات الطاقة الروسية طرقا للالتفاف حول القيود. ففي أواخر العام الماضي صارت “غازبروم نيفت” أول شركة روسية تثبت عمليا خبرتها في مجال تكسير الصخور النفطية بحفر بئر إلى مسافة 1 كيلومتر أفقيا وبعمق 2.3 كيلومتر في موقع بحقل بازينوف الشاسع الذي يعتقد أنه يحوي أكبر مكمن للنفط الصخري في العالم.

زيادة انتاج النفط

لقد كانت شركة “غازبروم نيفت” قادرة على استخدام تقنية منتجة محليا أُجبِرَت على تطويرها بعد أن جعلت العقوبات شركاءها الدوليين يتخلون عن المشروع. يقول سيرغي فاكولينكو، رئيس وحدة الإستراتيجية والابتكار بالشركة، إحدى وحدات “غازبروم” العملاقة ، “نحن مثل كرة الثلج كلما اشتد ضغطكم (علينا) كلما صرنا أصلب عودا”. وكان الرجل يتحدث في مقابلة بمكاتب الشركة في سان بطرسبورغ حيث يستخدم المهندسون شاشات ضخمة للسيطرة عن بُعد على أعمال الحفر في ما يزيد عن 600 بئر حول روسيا.

يشرح فاكولينكو ذلك بقوله: “فيما يخص مشروعات اليوم، نحن لم نتأثر إطلاقا (بالعقوبات)”. ويضيف: “العقوبات في وضعها الحالي ليست ولن تكون مؤلمة بصرف النظر عن مدة سريانها”. لقد زاد إنتاج روسيا من النفط الخام بين عام 2013 وعام 2016 بحوالي 6% تقريبا. وهو ما يفوق ضعف الزيادة التي شهدها إجمالي إنتاج بلدان أوبك. وارتفعت إيرادات أكبر ثلاث شركات روسية منتجة للنفط بنسبة 11% في تلك الفترة.

لقد أجبر تقليص التمويل الأجنبي العديد منها على إعادة هيكلة موازناتها بمساعدة مقرضين محليين والتقليل من المشروعات الخاسرة أو الباهظة التكلفة وزيادة كفاءتها. أعقبت ذلك عمليات استحواذ ومشروعات توسع عالمية. يقول رئيس بنك غربي في موسكو: “في الحقيقة لقد أجبرت شركات كثيرة منها على ترتيب أمورها وتمكنت من تعزيز تنافسيتها”.

وكانت اتفاقية بقيمة 11 بليون دولار في ديسمبر/كانون الأول الماضي تتعلق ببيع حصة بنسبة 19.5% من شركة “روسنيفت” إلى ائتلاف تجاري (كونسورتيوم) يضم صندوق الثروة السيادي القطري وشركة غلينكور السويسرية للتجارة في السلع حققت هدفين للحكومة الروسية. فهي من جهة، جلبت أموالا تمس الحاجة إليها للموازنة التي حطَّمها الانكماش ومن جهة أخرى، بعثت برسالة إلى أولئك الذين اعتقدوا أن مثل هذا التداول مستحيل في ظل نظام العقوبات. لقد بدأ مجتمع النفط والغاز العالمي في تغيير رأيه بناء على ذلك. ففي لقاءات مع مسؤولي وزارة الطاقة الروسية وتنفيذيين في الشركات في أثناء مؤتمر حول الطاقة عقد مؤخرا في تكساس بالولايات المتحدة، لم تُذكَر العقوبات تقريبا من جانب الموفدين الأوروبيين وشركات النفط الأمريكية. كما أجرت شركة “غازبروم نيفت” محادثات مع كبرى شركات الخدمات النفطية في المؤتمر. ومن المتوقع أن تتعاون معها في المشروعات القادمة، حسبما ذكر نائب رئيس الشركة فاديم ياكوفليف في الشهر الماضي.

ووفقا لتقديره فإن ما يساوي 1% فقط من شركات النفط الروسية تأثرت بالعقوبات كما بدأ رد الفعل “العاطفي” وسط شركات الطاقة الأمريكية أو الأوروبية تجاه فرض العقوبات في التلاشي. لا تزال شركات الطاقة الروسية متخلفة عن الجبروت التقني الذي تتمتع به منافساتها الغربيات وستكون حريصة على استئناف اتفاقيات المشاركة في المعرفة والاستثمارات المشتركة التي وضعت العقوبات حدّا لها. يقول سيتشن الذي ساعدت علاقاته الجيدة مع تيلرسون في إبرام صفقة “إكسون موبيل” عام 2012 لتطوير المكامن النفطية في الدائرة القطبية مع “روسنيفت”، إن الشركاء الأجانب يمكنهم الانضمام إلى شركته في استكشاف المكامن التي تستهدفها بئر “تسينترالنو” والتي تعرف أيضا بمربع خاتانجيسكي. يقول سيتشين: “ذلك ممكن. نحن لا نستبعده” دون أن يقدم أمثلة. ويضيف: “يمكننا أن نسعى بعد فترة من الوقت لاجتذاب شريك”.

ولكن الأمثلة المعزولة من شاكلة “تسينترالنو” و”وبازينوف” أنعشت الآمال في قطاع الصناعة النفطية الروسية بتراكم وتقدم الخبرة المحلية بسرعة كافية لضمان إجراء عمليات الاستكشاف والإنتاج في المستقبل، حتى في حال ظلَّت قيود العقوبات على حالها.

وتقدر شركة “غازبروم نيفت” أن الإنجازات التقنية داخل الشركة منذ فرض العقوبات زادت من متوسط الإنتاج لكل بئر بحوالي 11.5% وأنها استخرجت 25.3 مليون برميل إضافي في العام الماضي بفضل استخدام فنون إنتاجية جديدة. ويشير بعض الخبراء إلى أن معظم المشروعات التي ضربتها العقوبات مثل مشروعات المكامن النفطية البحرية في القطب الشمالي معقدة تقنيا ومكلفة بحيث انها لن تكون مجدية اقتصاديا عند أسعار النفط الراهنة.

فإذا ظلت مستويات الأسعار عند حوالي 55 دولارا للبرميل قد يمر بعض الوقت قبل أن يكون الاستغلال التام للجرف القطبي مربحا. يقول فاكولينكو: “بالتأكيد فيما يخص تقنية النفط الصخري، نحن متخلفون قليلا عن الأمريكيين. ولكن بمرور الوقت ويقينا، قبل أن يلزمنا ذلك تماما، سنصل إلى حيث نريد سواء بوجود العقوبات أو بدونها”. وأضاف وهو يشير إلى تقنيات الاستكشاف الأكثر تعقيدا التي ستلزم للاستغلال الكامل لاحتياطي حقل “بازينوف” الذي يقدر بحوالي 75 بليون برميل: “يمكننا أن نفعل ذلك الآن. ولكننا لسنا في حاجة له (النفط الصخري). لماذا ننشغل بمحاولة التقاط الثمار من الأغصان البعيدة إذا كانت تتدلى من أغصان قريبة في الوقت الحاضر؟” ولكن سيتم جني الثمار العالية قريبا جدا بالنظر إلى اعتماد روسيا الشديد على مستوى مرتفع لإنتاج وتصدير النفط الخام لمقابلة نفقاتها.

وكان بوتين قد استغل في مارس/آذار الماضي زيارة إلى أرخبيل فرانز جوزيف في أقصى النصف الشرقي من الكرة الأرضية، لتأكيد رغبته في تطوير المنطقة القطبية.

ومن المقرر أن تنقل شركة روسنيفت عمليات استكشافها إلى الغرب نحو بحر بارينتس في العام القادم وبحر كارا في عام 2019 بعد أن تنهي أعمال الحفر تحت بحر لابتيف. وقد سبق التخطيط لتنفيذ هذا المشروع الأخير بالتعاون مع شركة إكسون موبيل، لكن الرئيس التنفيذي للشركة سيتشن يقول ان العمل سيتم وفق البرنامج الزمني بصرف النظر عن استمرار العقوبات أو رفعها. وقال ناطق باسم الشركة: “من الضروري التدليل على ثبات مواقفنا في التعامل مع شركائنا. فالعقوبات قد تستمر لأعوام ولكن العلاقات التجارية تدوم لعشرات السنين”.

لقد وجد الروس طريقة لتكييف أنفسهم مع العقوبات بغض النظر عن بعض الآثار الجانبية لثلاثة أعوام من الحرب التجارية بين روسيا والغرب. ففي حين أن شركات النفط والغاز التي تستهدفها العقوبات عانت من ضغط مالي أو اضطرت إلى تعليق بعض المشروعات، كيقت شركات أخرى أوضاعها مع العقوبات بطرق مستحدثة. فشركة “كلاشنكوف كونسيرن” التي تتولى صناعة بندقية “أيه كيه 47” الشهيرة، استهدفتها كذلك عقوبات الحظر، فلجأت مع تدني المبيعات إلى فتح خط لإنتاج الملبوسات والأكسسوارات.

بل إنها تملك متجرا في مطار شيريميتيفو حيث يمكن للمسافرين شراء سلع تذكارية تتخذ “موضوعا” لها بندقية اكلاشينكوف. ولكن رد روسيا على العقوبات كان تأثيره أكبر على حياة المواطنين العاديين. فبعد أربعة أشهر من القيود التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في عام 2014، أعلنت موسكو مقاطعتها لكل واردات الغذاء من الاتحاد الأوروبي. وكان ذلك بمثابة نعمة للمزارعين ومنتجي الغذاء المحليين، الذين وجدوا أنهم يواجهون قدرا أقل من المنافسة ويحق لهم الحصول على أموال بموجب خطط الكرملين لإنفاق 40 بليون دولار على مبادرات إحلال الواردات. وهبطت الواردات الروسية من الاتحاد الأوروبي بحوالي 45 بليون يورو في الفترة بين 2013- 2015 أو ما يعادل 40% من إجمالي الواردات.