نيقولاي غوغول.. أسس المدرسة الواقعية وأخرج أدباء روسيا من “معطفه”

“كلنا خرجنا من معطف غوغول”، هذا ما قاله الكاتب فيودور دوستويفسكي، في إشارة إلى مدى عبقرية الكاتب نيقولاي غوغول صاحب رواية “المعطف”، وأحد آباء الأدب الروسي ومؤسس المدرسة الواقعية برواياته الشهيرة رغم مرور أكثر من مئتي عام على ولادته.

نيقولاي فاسيليفتش غوغول أحد آباء الأدب الروسي. ولد في 1 ابريل/نيسان 1809، ومن أعماله الأكثر شهرة رواية “النفوس الميتة” وقصته القصيرة “المعطف”، بالإضافة إلى المسرحيتين الكوميديتين “المفتش العام” و”خطوبة”.

نيقولاي غوغول من أكبر روائيي ومسرحيي الأدب الروسي . ويعتبر مؤسس المدرسة الواقعية في الأدب الروسي في القرن التاسع عشر. كان يكتب بإسلوب كوميدي ساخر. مؤلفه “الأنفس الميتة” يعتبر أهم رواياته، مع إنها لم تكن كاملة لأنه حرق بقيتها قبل أن يتوفى بعد اصابته بلوثة دينية، كان السبب فيها قسيسا أدخل أفكاراً تحريمية في دماغه.

 

نشأته

Картинки по запросу Николай Гоголь

ولد نيقولاي غوغول في 31 مارس/اذار 1809 في قرية سورتشينتسي قرب مدينة بولتافا الاوكرانية. تأثر في صغره بطريقة حياة الفلاحين في الريف الأوكراني، وتقاليد شعب القوزاق وفولكلوره الغني. وكان أبوه كاتب مسرحيات من وحي الفولكلور الاوكراني. التحق غوغول بالمدرسة العليا في نيجين، وظهرت مواهبه الأدبية والفنية في سن الثانية عشرة، ونشرت له أشعار في مجلة هناك، وكان قد قلد العجائز في مسرح المدرسة بطريقه كوميدية.

في سنة 1828، وبعد تخرجه من المدرسة، غادر غوغول الى عاصمة روسيا القيصرية سان بطرسبورغ باحثاً عن وظيفة في السلك الحكومي، لكنه لم يجد عملاً، وتعرض للكثير من المتاعب المادية. حاول العمل ممثلا، ولكنه لم ينجح في الاختبارات، فحاول أن يسلك طريقا أخر ويعمل شاعراً، فنشر على حسابه ديوان شعر عاطفي سرعان ما فشل فشلا ذريعا، فقام على اثر ذلك بجمع كل نسخ الديوان وحرقها. وفكر أن يغادر روسيا وأن يهاجر الى امريكا. استقل غوغول مركباً وسافر الى المانيا على أمل ان يكمل من هناك المشوار الى امريكا. ولكنه أفلس في المانيا، ولم يبق معه من المال ليتابع السفر الى امريكا. فقرر الرجوع الى مدينة سان بطرسبورغ. وهناك أخذ يبحث عن عمل من جديد، حتى وجد وظيفة حكومية بمرتب متواضع جداً.

بعد مرور ثلاثة أشهر استطاع العمل في وظيفة حكومية ثانية، ولكنه تركها أيضا بعد مرور عام ليدرس التاريخ في مدرسة داخلية للبنات.

بروزه الأدبي

Картинки по запросу Николай Гоголь

أثناء عمله في مدرسة البنات، بدأ غوغول بكتابة قصص ومقالات في بعض المجلات، كانت مواضيعها عن ارياف اوكرانيا وعن عيشة الفلاحين في القرى هناك، وتطرق في قصصه لحكايات عن العفاريت والسحر استخلصها من الفولكلور الاوكراني بأسلوب مضحك استعمل فيه ألفاظا وامثالا شعبية أوكرانية. في تلك الايام كان هذا الاسلوب جديدا في الأدب الروسي مما لفت أنظار القراء والنقاد اليه.

في الفترة (1831 – 1832) كتب غوغول ثماني حكايات نشرت في مجلدين بعنوان “أمسيات في مزرعة قرب ديكانكا”، وفجأة لقى غوغول نفسه من المشاهير بين ليلة وضحاها، ومحل اهتمام الكتاب والنقاد الكبار أمثال بوشكين، وجوكوڤسكي، واساكوف، وبلينسكي.

في سنة 1834 تعين غوغول في جامعة سان بطرسبورغ استاذا مساعدا في أدب العصور الوسطى، ولكنه وجد نفسه غير قادر على مثل هذا العمل، فتركه بعد سنة، وبدأ التحضير لنشر مجموعات قصصية جديدة في كتابين هما “ميرغورود” و”ارابيسك” اللذين نشرهما سنة 1835. الأربع قصص التي كانت في مجموعة “ميرغورود” كانت تكملة لمجموعة قصص “أمسيات في مزرعة قرب ديكانكا”، لكن غوغول استبدل فيها اسلوبه الرومانسي بالأسلوب الواقعي التشاؤمي الذي يعكس انعدام القدرة على التجاوب مع الحياة، وفي نفس الوقت انعدام القدرة على الهروب منها. وتجلى ذلك في قصة “مشاجرة إيفان ايفانوفيتش وإيفان نيكيفوروفيتش” التي كانت فكاهية، ولكنها مليئة بالمرارة من قسوة الحياة. وفي قصة “مُلاك زمان” على الرغم من كل الفكاهة التي كانت تشوبها سخرية من عجوزين عاشا من أجل تناول الطعام، ولم يستطعا فعل أي شيء غير الأكل في حياتهما. وفي قصة “مذكرات مجنون” حيث البطل موظف صغير قليل القيمة يعاني من الكبت، فعوض عنه بجنون العظمة الذي تطور معه الى أن دخل مستشفى المجانين.

Картинки по запросу ‫تاراس بولبا كتاب‬‎

قصة “تاراس بولبا” كانت أيضا من ضمن مجموعة “ميرغورود” التي غيرها غوغول سنة 1845 بإضافة ثلاثة فصول. والقصة تحكي عن الصراع الذي دار ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر بين أوكرانيا الأرثوذوكسية وبولندا الكاثوليكية، وهذه الرواية لقيت نجاحا كبيرا في روسيا، واعتبرها غوغول واحدة من قصصه المحظوظة. تاراس بولبا في القصة يصارع قمع حريات الناس واستسلام الناس لثقافات من خارج بلادهم، ةعلى أساساها تم انتاج فيلم هوليوودي سنة 1962 يحكي قصة تراس بولبا، بالإضافة إلى العديد من الأفلام الروسية.

 

كوميديا “المفتش العام”

Картинки по запросу ‫المفتش العام كتاب‬‎

غوغول كان يثق جدا في رأي وذوق بوشكين الأدبي، ونشر سنة 1863 في مجلته الأدبية قصة “العربة” التي تعتبر بلا منازع من احسن قصصه الساخرة، و قصته الغريبة السريالية الفكاهية “الأنف”. واستوحى غوغول من بوشكين فكرة مسرحية “المفتش العام” ورواياته البديعة “أرواح ميتة” التي تعتبر من أحسن الروايات المكتوبة في تاريخ الادب الروسي بشكل خاص، والأدب العالمي بشكل عام.

واجهت كوميديا “المفتش العام” هجوما وسخرية قاسية من النظام البيروقراطي الفاسد في عهد القيصر نيقولاي الأول. وباختصار تحكي كوميديا المفتش العام أن المسؤولين والموظفين الفاسدين في أحد أقاليم البلاد استقبلوا رجلاً سمينا جميل الهندام، و ظنوا أنه “المفتش العام”، وأخذوا يقدمون له الرشاوي و يعزمونه على مآدب لكي يغض بصره عن فسادهم الوظيفي. وبعد مغادرته احتفلوا بأنهم تمكنوا من الضحك عليه، وأثناء احتفالهم بنصرهم وصل “المفتش العام” الحقيقي، فأصابهم الرعب.

عرضت الكوميديا مرة واحدة في روسيا في 19 إبريل/ نيسان 1836، بأمر مباشر من القيصر نيقولاي، وبعدها قامت ضجة كبيرة في الجرائد وفي الدوائر الحكومية، فمنعت من العرض مرة ثانية، ولدرجة أن غوغول اضطر الى مغادرة روسيا في يونيو/ حزيران 1836 وتوجه الى روما ومكث فيها بطريقة متقطعة حوالي 6 سنوات لغاية سنة 1842.

شعر غوغول بالراحة في إيطاليا ولقى في روما الجو الديني الذي كان يميل اليه. وهناك قابل رسام اللوحات الدينية الكسندر إيفانوف، الذي كان يعمل في روما وأصبحا صديقين. وقابل واندمج مع السياح والمهاجرين الأرستقراطيين الروس وكانت منهم الأميرة الروسية زينايدا فولكونسكي التي كانت قد استقرت في إيطاليا بعد اعتناقها للمذهب الكاثوليكي، والتي كانت تناقش المواضيع الدينية في جلساتها.

 

رواية “أرواح ميتة”

Картинки по запросу ‫أرواح ميتة كتاب‬‎

كتب غوغول جزءا من رواية “أرواح ميتة” في سويسرا في خريف 1836 ، و كتب جزءا أخر في باريس في شتاء 1836 – 1837، لكن روما كانت المكان الذي كتب فيه غوغول معظم روايته العظيمة “الأرواح الميتة” (1837 – 1838). والتي وصفها يأنها “ملحمة” تصور روسيا الإقطاعية بنظام القنانة، والنظام البيروقراطي الفاسد الذي كان سائدا في تلك الايام. غوغول كتب الجزء الاول من الرواية خلال حوالي 8 سنوات (من 1834 الى 1842) ، وقرأ لبوشكين الفصول الأولى التي جعلت بوشكين يشعر بكأبة الى أن صرخ “يا إلهي! يا حزن روسيتنا “.

مختصر الرواية إن بطلها تشيتشيكوف الرجل النصاب الماكر أراد أن يغتني ثانية بعد أن خسر ثروته. فأعد خطة ذكية، بأن يشتري من ملاك الإقطاعات أرواح العبيد الذين كانوا يعملوا عندهم وماتوا من فترة قريبة ولكن لم يتم تسجيل وفاتهم في السجلات الحكومية، وبذلك فهم لا يزالون على قيد الحياة. فعندما يتصل تشيتشيكوف بالملاك كانوا يفرحون لعرضه لانهم كانوا يدفعون ضرائب للدولة عن عبيد غير موجودين. تشيتشيكوف كان ينوي رهن الأرواح الى البنوك ليستقرض مالا ليتمكن من العيش كرجل محترم في إقليم بعيد لا أحد يعرفه هناك.

في هذه الرواية خلق غوغول شخصيات كثيرة بسلوك ونفسيات مختلفة، اشتهرت في روسيا بأسمائها. وطوال الرواية كان بطلها تشيتشيكوف يتنقل من بلد الى بلد، عندما يشعر أن سره انكشف، وكان في كل مرة يقابل شخصيات جديدة. وبأسلوب فكاهي متمكن أرانا كيف كان يُعامَلُ العبيد في تلك الايام، وكيف كان يتم شرائهم مثل الحيوانات .

نشر الجزء الذي كتبه غوغول من روايته “الأرواح الميتة”(هناك أكثر من ترجمة للرواية تستخدم الأنفس الميتة، النفوس الميتة، والأواح الميتة) سنة 1842 بعدما رفضت الرقابة نشرها تحت عنوانها “الملحمة” بحجة أن غوغول بهذا العنوان “يعترض على فكرة الخلود”، وإنه من الأفضل تسميتها “مغامرات تشيتشيكوف أو الأرواح الميتة” فوافق غوغول لحاجته في ذلك الوقت للمال.

في نفس السنة نشر غوغول بعض من روايته القصيرة، كان من ضمنها رواية “المعطف” التي وصفها الأديب العملاق دوستويفسكي بأنها “الرواية اللتي خرجت من عباءتها كل الروايات الواقعية التي ظهرت في روسيا”.

تحمس القراء والنقاد في روسيا للجزء الذي نشر من الأرواح الميتة، وشعروا أن غوغول من الممكن أن يملأ الفراغ الأدبي الذي حل في روسيا بعد وفاة أمير الشعراء بوشكين المفاجئ في 1837. وبهذه الرواية تربع غوغول على قمة الهرم الأدبي في روسيا.

 

هوس ديني ونهاية روائي كبير

Картинки по запросу Николай Гоголь религия

بدأ غوغول يميل إلى الفكر الديني وتسللت لرأسه فكرة فحواها ان الرب حباه بموهبة أدبية كبيرة ليس فقط ليعاقب الفساد عن طريق اضحاك الناس، لكن ليُظهر لروسيا الطريق الصحيح للعيش في عالم شرير.

في مارس / اذار 1841، كتب غوغول لأحد أصدقائه في موسكو: “مشيئة ربنا المقدسة.. مثل هذه الأفكار ليست من وحي البشر. لا يوجد إنسان يمكن أن يفكر في هكذا موضوع”. وعلى هذا الاساس قرر غوغول انه يكمل روايته على انها مثل “كوميديا إلهية” نثرية. واعتبر الجزء الذي نشر يمثل بالنسبة لروسيا جحيم دانتي في الكوميديا الإلهية.

وبهذا دخل غوغول في متاهة دينية، ووجد نفسه غير قادر على اكمال الرواية. كتب غوغول في اعترافات مؤلف: “جلست لكي أكتب فوجدت نفسي غير قادر على أن أكتب شيئاً. في كل مرة كنت أحاول الكتابة كان الموضوع ينتهي بمرض وتعب، الى أن توقفت عن الكتابة لمدة طويلة”.

خلال عشر سنوات، كتب غوغول الجزء الثاني من روايته (من 1842 إلى 1852)، و لم يكن راضيا عن ما كتبه. وخطرت في باله فكرة ان الرب، لسبب ما، لا يريد أن يكون غوغول هو من يرشد الناس لحياة أكثر خيرا. لكن على الرغم من ذلك قرر انه من الممكن أن يقوم بتوصيل الفكرة والعمل كمعلم وواعظ بدون أن يستخدم قدراته الفنية ، فكتب “مختارات من مراسلاتي مع اصدقائي” (1847) وهي عبارة عن مجموعة من الخواطر. وكانت النتيجة بشعة جداً، حيث قام القراء والنقاد بمهاجمة الكتاب، وكان من ضمنهم الناقد الكبير بلينسكي الذي كان معجبا بغوغول ومادحا له طوال الوقت، وكتب له رسالة قال فيها إنه بكتابه هذا أصبح “واعظا جلادا يدافع عن الظلمات وابشع أنواع القهر”.

بهذا الهجوم شعر غوغول انه فعلاً مذنب كبير، وأن الرب تخلى عنه بالكامل، فأصيب بوسواس ديني وبدأ يكثر صلواته ويبعد أكثر عن الحياة والمجتمع، وفي سنة 1848 توجه إلأى فلسطين في زيارة حج دينية. وعندما عاد الى روسيا أخذ ينتقل من مكان الى مكان لغاية ما استقر في موسكو، وهناك قابل قسيسا متطرفا دينيا اسمه ” الأب ماتفي كنستنينوڤسكي “الذي أدخل في دماغه أفكاراً تحريمية غريبة وسيطر عليه ، وبقى يأمره بفعل أشياء . وكان من أحد هذه الاوامر أن يقوم بحرق مخطوط الجزء الثاني من روايته ” أرواح ميتة ” الذي لم يكن قد نشره بعد، فحرق غوغول المخطوط يوم 24 فبراير / شباط سنة 1852، وبعدها بعشرة أيام مات نتيجة الصيام المتواصل وهو مصاب بلوثه شبه جنونية .

 

أثره ومكانته الأدبية

Картинки по запросу Николай Гоголь

بالرغم من اللوثة الدينية التي أُصيب بها غوغول والتي قطعت انتاجه الأدبي، كان تأثير غوغول في الأدب الروسي كبيرا جداً. رواياته “أرواح ميتة” ولو إنها ناقصة، وقصة “المعطف”، ومسرحيته “المفتش العام “، أسست مدرسة أدبيه جديدة في روسيا حملت اسم “المدرسة الطبيعية” البعيدة عن المدارس “الرومانسية ” و”البلاغية” التي كانت سائدة قبله. غوغول كان من أوائل الأدباء الروس الذين أظهروا لروسيا نفسها. على عكس اسلوب الكتابة الكلاسيكية – الواقعية التي أسسها بوشكين والتي استخدمها فيما بعد كتاب أمثال ليف تولستوي وتورغينيف، أسلوب كتابات غوغول انتقل لكتاب أمثال دوستويفسكى واندريه بيلي الذين اثروا بدورهم في كتاب كثيرين أخرين في فتره ما بعد الثورة الروسية.



shares