شهاب الدين المرجاني.. أهم أعلام وعلماء المسلمين التتر في روسيا

شهاب الدين المرجاني، اسم معروف وعلم من أهم الأعلام الوطنية والثقافية للتتر المسلمين في روسيا. لعب على مدار النصف الثاني من القرن التاسع عشر دورا متميزا في تاريخ المسلمين التتر، ما جعل منه “الأب الروحي” للنهضة الوطنية التترية ورمزا ومصدرا للوعي الثقافي الوطني والإسلامي.

 

حياته

ولد شهاب الدين بن بهاء الدين المرجاني عام 1818 في قرية يابانجي في تتارستان. وتتلمذ على يد أبيه حتى السنة الحادية عشر من عمره. وعندما بلغ العشرين من العمر (1838) سافر إلى بخارى لاستكمال تعليمه.حيث تأثر هناك ببعض أساتذة المدرسة الدينية وبالأخص بحسين الكرماني الذي وجه اهتمامه صوب الدراسات التاريخية. وتأثر هناك أيضا بنظام الدين الإلهامي، الذي حول اهتمامه صوب العلوم الطبيعية. وفي بخارى وسمرقند اطلع على كتابات كورساوي، التي غيرت الكثير في مجرى حياته وشخصيته العلمية.

وبعد قضاء خمس سنوات في بخارى انتقل للدراسة إلى سمرقند، حيث درس في مدرسة (شير دار). وتأثر هناك بالمتكلم والعالم القاضي أبو سعيد السمرقندي. وقضى هناك سنتان، رجع بعدها إلى بخارى للدراسة في مدرسة (مير عرب) الشهيرة. وبقي فيها حتى عام 1849. بعدها رجع إلى قازان حيث عين إماما للمسجد الجامع فيها، وتولى التدريس في المسجد الجامع نفسه.

زيارته بخارى وسمرقند منحته فرصة الاحتكاك والاطلاع المباشرين على أمهات الكتب العربية الإسلامية في مختلف العلوم. وعلى أثرها استطاع إتقان العربية والفارسية. وليس مصادفة أنه كتب اغلب مؤلفاته التي تربو على الثلاثين باللغة العربية.

ولم يكتف بالعمل في المدرسة الدينية في مدينة قازان، بل اخذ يدرّس أيضا في المدرسة القازانية للمعلمين الروس، مما دعا البعض من المتزمتين إلى اتهامه بالزندقة والخروج عن الدين وغيرها من الاتهامات. وعلى أثرها جرى تسريحه من العمل في المدرسة الدينية مرتين على التوالي في العام 1854 وفي عام 1874.

 

الاصلاحي التنويري

تجسد شخصية المرجاني الروح الإصلاحي العقلاني والتنويري النقدي. فهو الشخصية التاريخية الكبرى الأولى بين التتر المسلمين في روسيا، التي استطاعت إرساء التقاليد الإصلاحية العقلية في مختلف الميادين العلمية والعملية.

كان المرجاني رجلا حرا في شخصيته وفكره، حارب التعصب وضيق الأفق الديني والثقافي والقومي. وتجلى ذلك بوضوح في موقفه من الاجتهاد والدعوة الدائمة إليه. وانطلق بذلك من يقينه بأنه لا إنسان معصوم من الخطأ، وان الاجتهاد فضيلة، وبابه مفتوح على الدوام. لان التقليد يحجر عقل الإنسان ويقلل من قدره وقيمته، بما في ذلك من وجهة نظر الإيمان. وذلك لان محاربة الاجتهاد منافاة لحقيقة الدين الإسلامي.

لم تكن هذه الأفكار معزولة عما هو مميز لشخصية المرجاني من ذهن متنور وعقل تنويري. فقد شغف منذ وقت مبكر بالاطلاع على مختلف العلوم والمعارف، وتجلى هذا الشغف في دراساته وكتاباته اللاحقة في مختلف العلوم. حيث كتب في ميادين عديدة مثل التاريخ والاجتماع والأدب والفلسفة والطب والفلك والموسيقى وعلم الآثار.

وتجلت مواقفه النقدية بوضوح في دراساته التاريخية والانثروبولوجية، ذات الصلة بتاريخ المسلمين في منطقة حوض الفولغا وتركستان. ولعل كتابه “مستفاد الأخبار” نموذج لهذه الرؤية النقدية في موقفها من تاريخ التتر كشعب وقومية وثقافة. حيث حاول البرهنة فيه على خطأ التصورات التي حاولت أن تربط تاريخيا بين تتر قازان وبين تتر المغول الذين دمروا الحضارة الإسلامية. واثبت بان تتر قازان هم السكان الأصليين للمنطقة. ولهم دورهم التاريخي فيها بوصفهم قوة ثقافية إسلامية. ومن هذه الحصيلة رد على الأحكام والتصورات الروسية الزائفة بهذا الصدد. ومن خلال ذلك أيضا إبراز الدور المشرق للثقافة الإسلامية والروح الوطنية التترية الأصيلة عبر الاعتزاز بالنفس وتاريخها الثقافي، كما وضعها في انتقاده اللاذع لأولئك الذين كانوا يختبئون وراء “أنا مسلم” لكي لا يتظاهروا بقوميتهم وجلا من الروس. وكتب بهذا الصدد بان البعد بين التتري والمسلم هو كالبعد بين الفرات والنيل. أي أن لكل منهما معياره الخاص. وان الأصالة فيهما هو تكميل أحدهما للآخر. لذا جعل من انتقاده وإدانته لجنكيزخان وهولاكو وتيمورلنك، أسلوبا لتعميق الرؤية النقدية والمزاج التحرري للإصلاحية الإسلامية آنذاك.

كتاباته وأعماله

تبلورت شخصية المرجاني الفكرية أثناء وجوده ودراسته الطويلة في بخارى (ما بين أعوام 1838 حتى عام 1850). وكتب اغلب أعماله الأساسية باللغة العربية إضافة إلى التترية. ويعود إليه ما يقارب الثلاثين كتابا، أكبرها وأهمها
“وفيات الأسلاف”. وباشر بكتابة أول أعماله الفكرية في بخارى. حينذاك أنجز “إعلام الأعلام وإنباء الدهر بأحوال ما وراء النهر” الذي انتقد فيه ضيق الأفق العلمي والمعرفي المميز لتدريس العلوم الإسلامية آنذاك في بخارى وسمرقند. وأوصلته تجربته العلمية الأولى حينذاك إلى ضرورة الرجوع إلى المصادر والمراجع الأساسية للثقافة الإسلامية، ومن ثم التخلي عن مرجعية كتب الحواشي والتعليقات أو التقليل منها إلى أقصى حد، باعتبارها كتبا لا ينبغي أن تحل محل أمهات الكتب الإسلامية. وكذلك كتاب “تنبيه أبناء العصر على تنزيه أنباء أبو نصر”، الذي دافع فيه عن كورساوي.

وكتب أيضا في ميدان التاريخ الثقافي للإسلام والفلسفة والكلام والفقه. فقد أنجز على سبيل المثال عام 1878 كتاب “الفوائد المهمة”، وتناول فيه إلى جانب قضايا عديدة مسألة تاريخ الخط الكوفي، وذلك لأهميتها العلمية والروحية حينذاك بالارتباط مع استيلاء القيصرية على “مصحف عثمان بن عفان”. وحاول البرهنة فيه على عدم صحة هذا الادعاء. لم يكن إبداع المرجاني محصورا في علم التاريخ. فقد كتب في مختلف الميادين، وبالأخص الفقه والتفسير. ومن بين كتاباته الفقهية تجدر الإشارة إلى كتاب “حق المعرفة وحسن الإدراك”. وكان اهتمامه بالفقه نابعا من التقاليد الإسلامية العريقة التي تجعل من الفقه بابا ضروريا للتعامل مع الحياة الدينية والدنيوية. فقد اعجب في بداية أمره بالتفتازاني، إلا انه ابتعد عن تأثيره في وقت لاحق وبالأخص ما يتعلق منه بتفسير القران. ومن بين أعماله الفقهية المهمة تجدر الإشارة إلى كتاب “حق المعرفة” الذي طبع عام 1880. في حين احتوت كتبه مثل “الحكمة البليغة” الذي طبع عام 1888، و”البراق الوامض” و”العذب الفرات” وغيرها من الاعمال على أبحاث نعثر فيها إلى جانب المادة المتخصصة، على انتقاد عقلاني رزين لمختلف أشكال ونماذج الجمود الفكري ومماطلات ومغالطات وتقليدية الأبحاث الكلامية.

إلا أن اهتمامه الأكبر والأصيل كان موجها صوب الأبحاث التاريخية، الذي لم يكن معزولا عن تأثره العميق بابن خلدون. لذا نراه يقلده في كتابة “مقدمة” تناول فيها اغلب القضايا التي استفاض فيها فيلسوف التاريخ الأول ابن خلدون. ونشرت هذه “المقدمة” عام 1881، بوصفها مقدمة لكتابه الرئيسي “وفيات الأسلاف وتحيات الأسلاف”، الذي حاكى به كتب الطبقات الإسلامية. إلا انه اختلف عنها من خلال المزاوجة بين التقديم النظري على نموذج ابن خلدون، وتاريخ الأعلام الإسلاميين من مفكرين مؤرخين وعلماء وفقهاء وصوفية وفلاسفة ومفسرين وغيرهم من أعلام الثقافة الإسلامية على نموذج “وفيات الاعيان” لابن خلكان وأمثاله. ويعتبر هذا العمل بحق أهم أعماله الفكرية. فهو لم يحتو فقط على تجميع وتقديم لأهم الأعلام الإسلاميين في مختلف ميادين العلوم، بل وادرج فيه أيضا أعلام المناطق الإسلامية من تركستان وحوض الفولغا. مما يعني احتواءه على معلومات مهمة لدراسة الإسلام وأعلامه في تلك المنطقة. إذ تناول في كتابه هذا اكثر من ستة آلاف علم إسلامي ابتداء من صدر الإسلام وانتهاء بمرحلة المرجاني نفسه. إلا أن من المؤسف له هو بقاء هذا الكتاب لحد الآن مخطوطا (بأجزائه الستة).

وكتب أيضا عن تاريخ تركستان (آسيا الوسطى) والبلغار والتتر كما في كتابه “غلالة الزمان في تاريخ بلغار وقازان” الذي طبع بعد ترجمته إلى الروسية عام 1884، وكذلك كتاب “مستفاد الأخبار” الذي طبع عام 1897، حيث تناول فيه تاريخ التتر في منطقة البلغار وكذلك تاريخ الارطة الذهبية وخانات قازان. واستطاع أن يفند في هذا الكتاب الكثير من التصورات المزيفة عن تاريخ التتر في هذه المنطقة، وكذلك البرهنة فيه على التمازج الحضاري بين تتر قازان ودولة وثقافة البلغار، الذين أسسوا لدولة قوية ومزدهرة استمرت قرونا عديدة في المنطقة. واعتمد في أدلته على المعطيات التاريخية التي جمعها من كتابات المؤرخين المسلمين الكبار مثل ابن فضلان والمسعودي والادريسي ومن دراسة مختلف جوانب الحياة المادية والروحية للمنطقة (من لغة وعادات وتقاليد وأعراف ونقود وبناء وملابس وما شابه ذلك).

وشكلت كتاباته التاريخية هذه الأولى من نوعها من حيث اهتمامها بتاريخ القبائل وحياتها الخاصة قبل ضمها إلى الدول الروسية. فهي تحتوي ،بهذا المعنى، على مادة تاريخية موضوعية هائلة يمكنها أن تسلط الأضواء على حالة الشعوب الإسلامية حينذاك. وبنفس الإطار تندرج كتبه مثل “مصطفيات الأخبار في أحوال قازان والبلغار” الذي طبع بعد وفاته في العام 1897، وأعيدت طباعته عام 1900.

أهم أعلام التتر المسلمين

Картинки по запросу Шигабутдина Марджани

المرجاني بلا شك أحد أعمدة الصرح الفكري والروحي لمسلمي حوض الفولغا بشكل عام والتتر منهم بشكل خاص. فقد كان وما يزال إبداعه الفكري إلى جانب كورساوي وناصري، الرصيد المعنوي الهائل لوعي الذات الثقافي والقومي للتتر المسلمين في روسيا. رغم أن مأثرته الحقيقية تتجاوز حدود موطنه الجغرافي لتتعداه إلى المدى الإسلامي العام. لاسيما وان مصادره الفكرية وتربيته العقلية وانتمائه الثقافي وهمومه الأولى كانت وثيقة الارتباط بعالم الإسلام والمسلمين. وليس مصادفة أن يتأثر به رجال الإصلاح والفكر المسلمين في تركستان عموما ومناطق حوض الفولغا. فقد تأثر به كبار رجال الفكر التحرري المسلمين للنصف الثاني من القرن التسع عشر وبدية القرن العشرين مثل أباي كونينبايف وآخان سيريه وآوئيزوف وصدر الدين عيني وغيرهم.

فقد أثرت شخصيته وكتاباته على إرساء التقاليد الإصلاحية والتحررية عند الشعوب الإسلامية الخاضعة آنذاك للسيطرة الروسية. ومن ثم ساهمت في استثارة الهم الاجتماعي والوطني والقومي والإسلامي العقلاني والتحرري عندهم. وبهذا المعنى يمكن الإقرار بمأثرته في تعميق النزعة القومية والثقافية التحررية. إضافة إلى ما في إبداعه من قيمة واثر في ترسيخ الرؤية التجديدية بين المسلمين ومن ثم المساهمة المباشرة وغير المباشرة في استقطاب القوى الشابة الحية صوب “الحركة الجديدية” اللاحقة.



shares