ميخائيل شولوخوف.. مبدع “الدون الهادئ” وسط عواصف الحكم البلشفي

ميخائيل شولوخوف، من أهم الكتاب السوفييت/الروس في القرن العشرين، ورغم الجدل الكبير حول حياته وشخصيته وإبداعه الأدبي، إلا أنه حصل بجدارة على جائزة نوبل للأدب، بفضل روايته الأشهر “الدون الهادئ”، التي ترجمت إلى العربية وعشرات اللغات العالمية.

 

حياة شولوخوف

Картинки по запросу Михаи́л Алекса́ндрович Шо́лохов

ولد ميخائيل في قرية فيوشينسكايا التابعة لإقليم روستوف على نهر الدون، في 24 أيار/مايو 1905، وامضي في قريته معظم مراحل حياته فغدت فضاء لكافة أعماله، تأثر ببيئته وقومه القوقاز وهم شرائح من المقاتلين جاء بها القيصر ليكونوا حرسا للحدود الجنوبية للامبراطورية الروسية، فأسسوا أخلاقياتهم وأدبهم الشعبي وعاداتهم وتقاليدهم، وفي تلك المنطقة يجري نهر الدون هادئا غير مبال بعواصف المجتمعات البشرية والاضطرابات التي كانت تجري على شواطئه، ومنه سوف يستلهم شولوخوف عنوانا رومانسيا لروايته الملحمية الدون الهادئ التي جادت عليه بالشهرة لكنها غدت أيضا مصدر لا ينضب للمتاعب والالام طيلة حياته.

لم يكمل شولوخوف دراسته الابتدائية، إذ شهدت منطقته في الفترة من 1918 وحتى 1924 سيطرة الجيش الابيض الذي اراد ان يطيح بثورة البلاشفة.

بعد انتهاء الحرب الاهلية انتقل شولوخوف في عام 1923 الى موسكو حيث عمل موظفا صغيرا في المؤسسات الحكومية. وبدأ في القترة ذاتها بممارسة الابداع الادبي. وانضم شولوخوف الى فريق الادباء الشباب “الحرس الفتي” الذي ضم كلا من الشعراء ألكسندر بيزيمينسكي ومكسيم گولودني وميخائيل سفيتلوف، الامر الذي ساعده في نشر قصصه الاولى في مجلتي “اوغونيوك” و”سمينا”. وصدرت له عام 1926 مجموعتا قصص بعنوان “قصص من الدون” و”السهب الازرق”. وقد اجمع النقاد الادبيون على انهما تدلان على الموهبة المتألقة للمؤلف الشاب. وهي قصص عن احداث الحرب الأهلية في روسيا، لكن مؤلفها يرصد ما جرى في عموم روسيا عبر ما جرى في سهوب نهر الدون.

Картинки по запросу Михаи́л Алекса́ндрович Шо́лохов

تزوج ميخائيل شولوخوف عام 1924 من ماريا غروموسلافسكايا ابنة قائد القوزاق السابق التي عاش معها طول عمره وانجبت له اربعة اطفال. وعاد عام 1926 الى موطنه فيوشينسكايا حيث انهمك في تأليف الجزء الاول من روايته الملحمية “الدون الهادئ”. واكمل ميخائيل شولوخوف الجزئين الاول والثاني لروايته عام 1927 وتم نشرهما في مجلة “اكتوبر” بموسكو. قد راجت حينذاك افتراءات تزعم انه ليس مؤلف الرواية بل استحوذ على مخطوطة ضابط قتل في الحرب الأهلية لم يذكر اسمه.

لكن شولوخوف عكف على تأليف الجزء الثالث للرواية ونشر مقتطفات منه في المجلات الادبية. ووصف في احد فصوله انتفاضة القوزاق الموجهة ضد حملة سلبهم حقوقهم مما حال دون متابعة نشر الكتاب. لكن ستالين الذي طالع فصول روايته في مجلة ادبية اراد ان يلتقي الكاتب الشاب، وقام الكاتب مكسيم غوركي بالوساطة في اعداد اللقاء الذي جرى عام 1931 في منزله بموسكو. فأيد ستالين شولوخوف في طموحاته الادبية، مما مكنه من استئناف نشر الرواية بعد حذف المقاطع حول الحملات الاجرامية الموجهة ضد القوزاق.

 

نتاجه الأدبي

Картинки по запросу ‫الدون الهادئ ترجمة الديراوي‬‎

كتب شولوخوف روايته الدون الهادئ في الفترة ما بين 1928 ـ 1940، فقد صدر الجزء الأول من الرواية عام 1928 وانتظر القراء 12 عاما ليكمل شولوخوف روايته الملحمية.

أما روايته الثانية فهي “الأرض البكر” واستغرقت كتابة فصولها نحو 18 عاما، وهي تحكي عن تجربة تحويل الريف الروسي الي الزراعة الجماعية. كما كتب شولوخوف فصول من رواية لم تكتمل عن حرب الشعب الروسي ضد الفاشية بعنوان “حاربوا في سبيل الوطن”.

ومن أبرز مؤلفاته الرواية القصيرة او القصة الطويلة “مصير انسان”، وتعد تحفة صغيرة هائلة العمق والألم والمأساوية. كتب شولوخوف كذلك مجموعة قصصية كبيرة شكلت بداية طريقه الأدبي بعنوان “قصص من الدون” وهي قصص تحكي فصولا من الحرب الأهلية في روسيا، لكنه يرصد ما جرى في عموم روسيا عبر ما جرى في سهوب نهر الدون لكن لهيبها شمل كل انحاء روسيا فأهلك وشرد ملايين البشر ودمر الوشائج الاجتماعية للشعب الروسي وتقاليده القومية والدينية العريقة، صور شولوخوف في قصصه كما في روايته الأشهر، القسوة غير المعهودة في كل حروب روسيا السابقة والعنف الهائل الذي تبادله المشتبكون في الحرب الأهلية.

Картинки по запросу ‫الأرض البكر شولوخوف‬‎

في عام 1932 نشر ميخائيل شولوخوف الجزء الاول من كتابه الجديد “الارض البكر” الذي يتناول تجربة تحويل الريف الروسي الي التعاونيات الزراعية الجماعية. وأيد شولوخوف تلك التجربة الستالينية دون ان يتفادى ذكر العواقب المأسوية لتأميم ملكية الفلاحين الاثرياء. وانضم في العام نفسه الى الحزب الشيوعي بالاضافة الى انه انتخب سكرتيرا لاتحاد الكتاب السوفيت. التقى ميخائيل شولوخوف بستالين ثلاث مرات في عامي 1937 و1938. وطرح امامه موقفه من حملة الاعتقالات التي تعرض لها المثقفون. وجرى آخر لقاء بينهما في 21 اكتوبر/تشرين الاول عام 1938 بحضور اعضاء المكتب السياسي للحزب ووزير الداخلية الى جانب ممثلي المخابرات في اقليم روستوف، الذين اتهموا الكاتب بممارسة النشاط المعادي للنظام، لكن ستالين أمرهم بعدم التعرض لشولوخوف.

انتهى الجزء الثالث من رواية “الدون الهادئ” بعزم بطلها غريغوري ميليخوف على التطوع للخدمة في الجيش الاحمر. وتوقع الجميع ان تنتهي الرواية بنهاية سعيدة. لكن جزءها الاخير تضمن تمرد غريغوري ميليخوف على النظام وعدم قبوله الحكم البلشفي. فتعرض ميخائيل شولوخوف بعد نشر الجزء الاخير من الرواية عام 1940 لهجمات جديدة من قبل النقاد. لكن ستالين لم يسمح باعتقال الكاتب.

 

منحه جائزة نوبل

Картинки по запросу Михаи́л Алекса́ндрович Шо́лохов НОбЕЛЕВСКАЯ

في العام 1964 رفض الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر جائزة نوبل للآداب. وفي بيان له عن أسباب ذلك، عبر عن أسفه لأن الجائزة السابقة لم تمنح لشولوخوف، مضيفا أن “العمل الأدبي السوفيتي الوحيد الذي حاز هذه الجائزة هو كتاب نشر في الخارج، وممنوع في وطن الكاتب ( “الدكتور جيفاغو لبوريس باسترناك، حائز جائزة نوبل عام 1958).

ويعتقد أن بيان سارتر ذاك قد أثر على لجنة جائز نوبل، ففي العام التالي (1965) منحت الجائزة لشولوخوف “لما تتصف به روايته من وحدة السرد والقوة الفنية، وكملحمة عن قوزاق الدون في زمن تحولات كبرى شهدتها روسيا”.



shares