“سورغوت نفط-غاز”… جوهرة الكرملين المكنونة

تعّد “سورغوت نفط-غاز” ثالث أكبر شركة للنفط في روسيا وأكثرها غموضا. و حرص مسؤولوها على إحاطة أنشطتها وتعاملاتها بالسرية، ما فتح المجال للعديد من التكهنات التي لم تنجح الصحافة الروسية والدولية في تأكيد صحة أو بطلان معظمها منذ سنوات. لكن الأزمة الاقتصادية الروسية و انهيار سعر صرف الروبل دفع مسؤولي الشركة وفي مقدمتهم الرئيس التنفيذي فلاديمير بوغدانوف للخروج بتصريحات نادرة لطمأنة المواطنين بالوضعية المالية للشركة التي تعتبر طوق نجاة للمشاريع المستقبلية للكرملين لما توفره “سورغوت نفط-غاز” من سيولة نقدية ضخمة عجزت عن توفيرها شركات روسية عريقة. وقد تناقلت وسائل إعلام أوروبية تقارير عن احتياطات نقدية تملكه “سورغوت نفط-غاز” وتتجاوز 34 مليار دولار، معظمها مودع في مصارف أجنبية، ما يجعلها واحدة من أغنى شركات النفط في روسيا.
سميت “سورغوت نفط-غاز” نسبة إلى مدينة سورغوت الواقعة ضمن إقليم خانتي-مانسيسك السيبيري الذاتي الحكم. تعتبر مدينة سورغوت، التي لا يتجاوز عدد ساكنتها 400 ألف نسمة ،حيث يقع المقر الرئيسي للشركة، ثالثة أغنى مدينة في روسيا بعد كل من موسكو ونوفي أورنغوي، وتلقب سورغوت ب”عاصمة النفط في روسيا” لما تحويه من مشاريع ضخمة لمختلف شركات الطاقة الروسية ولما تختزنه من إحتياطات نفطية وغازية هائلة.

من يملك حقا “سورغوت نفط-غاز” ؟

تعتبر “سورغوت نفط-غاز” من أهم شركات الطاقة في روسيا، وقد تم إحاطة الشركة وحجم أسهمها بالسرية لعقود. وحسب مراقبين، فإن غالبية الأسهم يحتفظ بها موظفون في الشركة وكذلك الرئيس التنفيذي بوغدانوف نفسه. لكن التقرير السنوي للشركة أشار إلى أن أسهم بوغدانوف وأعضاء مجلس الإدارة العليا وأعضاء مجلس الإدارة لا تمثل أكثر من 0.7 في المئة من أسهم”سورغوت نفط-غاز”. وقد ظل هيكل الملكية الحقيقية للشركة غامضا متخفيا وراء شبكة متداخلة معقدة من 23 شركة تغير استثماراتها المالية بما يتناسب مع القيمة السوقية للشركة حسب أنباء تداولتها وسائل الإعلام الروسية قبل سنوات.
ولم يؤكد بوغدانوف هذه المعطيات. ولذلك فقد راجت شائعات عن علاقة الدائرة المقربة من الرئيس فلاديمير بوتين بأسهم “سورغوت نفط-غاز”. وقال معارض للكرملين قبل ست سنوات إن بوتين ذاته يملك حوالي ثلث أسهم الشركة. لكن كل هذه التكهنات لم يتم تأكيدها يوما، لكن “سورغوت نفط-غاز” لم تكن يوما في ورطة مع السلطات بخلاف الشركات المنافسة لها وشركات النفط عموما. لذلك، حسب مراقبين ومحللين إقتصايين، فإن “سورغوت نفط-غاز” التي تستحوذ على 11 في المائة من إنتاج النفط الروسي و 7 في المائة من إجمالي تكرير النفط الروسي تكتنز أموالا طائلة.

سيولة “سورغوت نفط-غاز” النقدية تتلاشى بإنهيار الروبل

تولى فلاديمير بوغدانوف فعليا إدارة “سورغوت نفط-غاز”في عام 1984 أثناء مرحلة إصلاحات البيريسترويكا، وحافظ على منصبه بعد الخصخصة في عام 1993 (تم تمديد عقده مؤخرا حتى عام 2021)، و قد حرص بوغدانوف على إيداع ما يفوق 34 مليار دولار امريكي في حسابات بالعملات الأجنبية. ولكن نظرا لارتفاع سعر صرف الروبل، تكبدت “سورغوت نفط-غاز” في العام الماضي خسائر للمرة الأولى منذ سنوات عديدة تقدر ب 104,8 مليار روبل، لأن قيمة الودائع المحتفظ بها بالدولار الأمريكي أو اليورو أو الجنيه الإسترليني تدنى سعر صرفها بالروبل.

في عام 2015 بلغت أرباح “سورغوت نفط-غاز” 761.6 مليار روبل. لكن بشكل عام، يشكل سعر صرف الروبل العامل الأساسي لزيادة أرباح “سورغوت نفط-غاز” التي تشغل ما يزيد عن114,000 موظف، حيث أن ثأثير سعر صرف الروبل على نمو الأرباح أكبر من تأثير سعر النفط في الأسواق. أما بوغدانوف، الذي يبلغ الآن من العمر 66 عاما، فقد قدرت مجلة فوربس ثروته ب 1.64 مليار دولار.

بوغدانوف… رجل الكرملين المخلص

إعتمد يوم 29 يونيو/حزيران الماضي في إجتماع للمساهمين مبلغ 26.6 مليار روبل كدفعة أرباح، هذا التوزيع السنوي كان دائما سببا لشعبية أسهم الشركة. لكن الآن لم تعد هناك ضمانات لتحقيق مزيد من الأرباح. خاصة بعد ترددها في إستخدام احتياطياتها النقدية الهائلة في عمليات إستحواذ كانت في متناولها. فقد تكهن العديد من المراقيبن في السنة الماضية أن تستثمر “سورغوت نفط-غاز” مبالغ مالية هائلة في الخصخصة الجزئية لرائدة قطاع النفط في البلاد”روسنفت” أو الاستحواذ على منافسها الأصغر “باشنفت”.

ونظرا لإنخفاض أسعار النفط، كانت الدولة بحاجة ماسة إلى السيولة المالية، وقل ظل بوغدانوف موال تماما للكرملين ولسياسته الشاملة لقطاع النفط في روسيا. ولهذا فقد إنحرف بوغدانوف عن خططه – ربما بمباركة بوتين- وظل مخلصا لاستراتيجيته الجديدة المتمثلة في عدم إستثمار مزيد من الأموال ولو حتى في تطوير حقول النفط التابعة للشركة.

عامل الإستخلاص… ورقة بوغدانوف الرابحة

بوغدانوف لا يخفي أن شركته تتمتع بأعلى “عامل إستخلاص” للنفط في البلاد (نسبة المواد الخام التي يمكن استخلاصها من الإحتياطيات من مجموع محتوى المواد الخام للإحتياطيات). في بعض الحقول المنفردة يصل “عامل إستخلاص” ما بين 0.58 و 0.68، في حين أن المعدل الوطني لا يتجاوز 0.27، كما صرح كيريل مولودزوف، نائب وزير الطاقة قبل عام ونصف العام. لكن “سورغوت نفط-غاز” تتوجس ومنافسيها من مشكلة نضوب حقول النفط في سيبيريا الغربية.
وقال فياتشيسلاف تشيركوف، كبير الجيولوجيين في الشركة، إن 30٪ من الاحتياطيات المكتشفة حديثا غير مربحة، و بشكل عام، يصعب الوصول إلى جميع الرواسب المكتشفة حديثا ولا يمكن إستغلالها بدون تقنيات متطورة.

لا إنتقادات من بوتين؟

لسنوات عديدة حافظت “سورغوت نفط-غاز”على إنتاج مستقر عند مستوى 61 مليون طن سنويا. ووفقا لبوغدانوف فلن يتم تغيير حجم الإنتاج في المدى المتوسط. كما أنه من المقرر في السنوات الخمس المقبلة أن يتم الإستفادة من 19 حقلا جديدا في غرب وشرق سيبيريا، حسبما صرح بوغدانوف قبل عام. ولكن هذا لا يعني أن الإنتاج سوف يزداد. وتهدف المجموعة إلى زيادة تحسين “عامل الاستخلاص” وإستخدام أكثرعقلانية للاحتياطيات المتوفرة.

ومن الواضح أن أغنى شركة في روسيا ربما ليست عرضة للتوسع، خاصة وأن مسؤوليها عبروا مرارا بأنهم راضون جدا بسعر 50 دولار للبرميل. الإستقرار أفضل من المراهنات الكبيرة، يقول بوغدانوف نفسه. كما أن بوتين، الذي عادة ما يكون قاسيا جدا في التعامل مع قادة الاقتصاد الروسي، لم يوجه أي إنتقاد للشركة ومسؤوليها.
اعداد: عرفات طه