صلاحيات تتارستان الاستثنائية في مهب الريح

تفردت جمهورية تتارستان منذ عام 1994 بوضع خاص بها داخل الكيان الروسي، خصها بصلاحيات واسعة وإمتيازات متعددة ساهمت في إنتعاش الإقتصاد المحلي وتنامي الشعور القومي بالإنتماء للجمهورية وخلق مناخ مناسب لجذب الإستثمارات. مما أدى إلى الرفع من مستوى المعيشة وإزدهار تتارستان على كل الأصعدة. لكن الكرملين بدأ في سحب البساط من تحت أقدام المسؤولين التتار، لكي تعود روسيا موحدة مطلقة، مستغنية عن آخر اتفاقية كانت تحّد من صلاحيات الكرملين على التراب الروسي.

بوتين ليس هو الرئيس الوحيد في روسيا

يعتبر رستم مينيخانوف، رئيس جمهورية تتارستان الروسية، رئيسا فوق العادة لتمتعه بصلاحيات واسعة في جمهوريته ضمن بلد يحكم فيه الكرملين بقبضة من حديد، كما أنه الوحيد في روسيا الذي يحمل لقب “رئيس” إلى جانب فلاديمير بوتين. تقع تتارستان، الغنية بالنفط، على بعد حوالي 800 كيلومتر شرق موسكو. وتتمتع جمهورية تتارستان ببعض الحقوق الخاصة فى روسيا التى تم التفاوض عليها لاول مرة في تسعينيات القرن الماضي بعدما ضعفت الدولة الروسية سياسيا تحت حكم بوريس يلتسين، وباتت تحت خطر التفكك.

اتفاق تقاسم الصلاحيات


في إستفتاء نظم عام 1992 صوت 62% من مواطني تتارستان بالموافقة من أجل الإستقلال عن روسيا، لكن موسكو قامت بعقد إتفاق مع المسؤولين التتار لمنح جمهوريتهم صلاحيات تفضيلية واسعة. تم إبرام أول إتفاق سنة 1994، بحلول عام 1998 كان الكرملين قد وقع اتفاقيات مؤقتة مع 46 منطقة في روسيا الإتحادية. بعد تولي فلاديمير بوتين رئاسة البلاد تضاءل تدريجيا عدد الإتفاقيات، إلى أن أصبحت تتارستان الوحيدة التي يربطها بموسكو إتفاق حول الصلاحيات المخولة لكل طرف.
وفي 24 يوليو/تموز 2007 تم تجديد عقد الإتفاق لمدة عشر سنوات بين الكرملين وتتارستان. وقد مُنحت تتارستان، من بين حقوق أخرى، الحق في إستغلال الإيرادات الضريبية والموارد الطبيعية (بمثابة حيازة وملكية خاصة لشعب تتارستان) وإعتماد اللغة التترية لغة رسمية إلى جانب اللغة الروسية وإمتلاك جوازات سفر ثنائية اللغة (روسية وتتارية) وإنشاء البنك الوطني وكذلك منح صفة الرئاسة لمن يعتلي هرم السلطة. في حين لم تسمح موسكو لأي من قادة الجمهوريات الأخرى التابعة لها لحمل لقب الرئيس. ففي الشيشان مثلا لم يتمتع رمضان قاديروف ،رغم نفوذه القوي، بصلاحيات الرئيس. كما لا يحمل قاديروف صفة الرئيس وإنما القائد الذي يتبع لقرارات مكتب الرئاسة في موسكو.

الكرملين يدير ظهره لتتارستان

إتفاق العشر السنوات الأخير بين موسكو وقازان ضمنيا إنتهت صلاحيته بداية هذا الأسبوع. لكن فريد موخاميتشين، المتحدث بإسم مجلس لدولة لجمهورية تتارستان، صرح لجريدة RBK أن الإتفاق ساري المفعول إلى غاية 11 أغسطس/آب 2017، لأنه في نفس اليوم قبل عشر سنوات دخل حيز التنفيذ. وقد ناشد نواب مجلس الدولة لجمهورية تتارستان بوتين لتمديد الإتفاق وحذروا من تبعات قانونية حال إلغائه. من جهة أخرى، تفيد وسائل الاعلام الروسية ان موسكو لا تنوي تمديد الإتفاق، حيث نقلت صحيفة “كوميرسانت” عن مصدر رفيع المستوى في الادارة الرئاسية قوله “ليس هناك إتفاق جديد”. رسميا، لم يكن هناك تعليق من القيادة الروسية فيما يخص تجديد الإتفاق مع تتارستان. وحسب تقرير “كوميرسانت” نقلا عن مصدر مقرب من القيادة الروسية لم يكشف عن إسمه، ستسمح موسكو لتتارستان بالاحتفاظ بمنصب الرئيس حتى نهاية فترة ولاية رستم مينيخانوف عام 2020.

إغراءات الإقتصاد الروسي

تعد العاصمة قازان واحدة من أغنى المدن في روسيا. كانت المدينة ولازالت ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لروسيا. وتستفيد تتارستان، بحكم موقعها الاستراتيجي على الطريق المؤدي من موسكو إلى سيبيريا، من صناعات الطاقة والبنية التحتية المتطورة وشبكة السكك الحديد. أما عبور نهر الفولغا عبر مدن تتارستان فيعطي اقتصادها زخما اضافيا. كما تحتل تتارستان المركز الأول في المناخ الإستثماري في روسيا الإتحادية .ويعد مركز إنوبوليس الخلوي، الذي سيتم إنشاؤه في غضون الـ 15 عاما المقبلة، من المشاريع الواعدة في مجال التكنولوجيا الفائقة بتتارستان، ويلقب بوادي السيليكون الروسي. لكن رغم ذلك، مر إقتصاد تتارستان بمرحلة صعبة خلال السنوات الأخيرة، آخرها الأزمة المصرفية في الشتاء الماضي. بالإضافة إلى ذلك، يعتمد اقتصاد تتارستان الموازنة الروسية، خاصة في إقامة المشاريع الضخمة. لذلك فمن المستبعد أن تقوم تتارستان بالرد على قرار الكرملين بإجراءات أحادية الجانب في المدى القريب.

اعداد: عرفات طه