حكايات من عالم الجاسوسية يرويها متحف “كي جي بي” في موسكو

يفوّت كثير من السياح إلى العاصمة الروسية موسكو فرصة زيارة المبنى الضخم ذي الطلاء الاصفر الذي يتوسط ساحة “لوبيانكا” في موسكو. وفي هذا البناء العادي يتربع متحف الـ ( كي جي بي) أو متحف المخابرات الروسية الفريد من نوعه، والذى يكشف الكثير من أسرار عالم الجاسوسية والصراعات الخفية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة، مستعرضا على زواره وثائق وحكايات أهم أسلحتها: الدهاء والذكاء والخداع.

ويجد زائر المتحف بواسطة الوثائق والتاريخ المعروض فيه اجابات عن تساؤلات مثيرة، اذ يكشف المتحف عن اسرار الجواسيس في الاتحاد السوفييتي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة.
الصدأ يكشف الجواسيس
ومن حكايات عالم الجاسوسية التي يكشفها المتحف، تمكن المخابرات الروسية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسهولة ودون عناء من اعتقال أكثر من مائتي جاسوس، تم القاؤهم داخل الحدود السوفيتية بالمظلات أو دخولها بصورة غير شرعية، ويوضح المرشد السياحي للمتحف، أن هؤلاء الجواسيس كانوا مزودين بوثائق شخصية سوفييتية غاية في الدقة والابداع ولا يمكن تمييزها عن الوثائق الحقيقية بأي شيء باستثناء “المساكات”، إذ أن المخابرات الأمريكية استخدمت في كبس أوراق الوثائق الشخصية هذه، “مساكات” من حديد غير قابل للصدأ، بينما كانت ادارة الجوازات السوفيتية تستخدم مساكات قابلة للصدأ، ما منح رجال الأمن فرصة سهلة ويسيرة لالقاء القبض على كل من يحمل بطاقات شخصية غير قابلة للصدأ خاصة في المناطق الحدودية، ولم تفطن المخابرات الأمريكية الى هذه الهفوة الا بعد سنين.

احباط محاولة اغتيال ستالين
وثمة قصة غير معروفة على نطاق واسع، يرويها مرشدو المتحف الذى اقيم فى العام 1984، وهي محاولة اغتيال الزعيم السوفيتي السابق جوزيف ستالين، إذ يتواجد في المتحف جهاز معلق في خزانة محكمة الاغلاق، وفق المرشد: “من هذا الجهاز الذي يربط باليد تحت المعطف، كان من المقرر أن يقوم جاسوس ألماني حمل اسم بيوتر تافرين باطلاق النار على ستالين وقتله”، إذ أن المخابرات الألمانية خاصة في آخر أعوام الحرب، كانت تعلق الكثير من الآمال على هذه العملية علها تخلصهم من ستالين الذي أفسد كل حسابات ألمانيا النازية, ولهذا اجتمع خبير الاغتيالات الألماني النازي أوتو سكورتسيني مع الجاسوس الروسي المكلف بالعملية ثلاث مرات قبل هبوطه بالمظلة في الاتحاد السوفتيتي في 5 سبتمبر/أيلول 1944,
وكانت الخطة التي أعدتها المخابرات الألمانية بدقة تقضي بأن يتقرب تافرين بعد أن يحط في موسكو مستخدما عشرات الأختام والأوسمة المزورة والأموال من حاشية الزعيم السوفييتي، ويطلق النار على ستالين فى اول فرصة متاحة برصاص مسمم ومتفجر. ولكن المخابرات السوفييتية لم تتمكن فقط من احباط الخطة الألمانية في بداية عهدها و من اعتقال الجاسوس الألماني والسيدة التي ترافقه بعد ساعات من هبوطهما في الأراضي الروسية فقط، بل واستخدمتهما لمدة طويلة في لعبة استخباراتية وقعت المخابرات الألمانية فريسة سهلة لها. إذ لم تعلن المخابرات السوفيتية أي معلومات عن هذه العملية وأبقت على الشقة التنكرية للجاسوسين الألمانيين مفتوحة على أمل أن تكون مصيدة لمزيد من الجواسيس بعد انتهاء الحرب لكن لم يأت أحد ليطرق بابها لسنوات طويلة.
وفي أعوام الحرب الباردة توجت المخابرات السوفيتية نجاحاتها بالقاء القبض على الملحق العسكري الأمريكي روبرت وولكر غرو في 1950، وعلى العقيد الروسي بيوتر بوبوف في العام 1959 بعد ثبوت تورطه بالتجسس لمصلحة المخابرات الأمريكية، والملحق الاداري في السفارة الأمريكية أوغست لينجلي. وفي مايو/أيار 1962، قضت السلطات السوفييتية باعدام عميل روسي مزدوج عمل لمصلحة المخابرات الأمريكية والبريطانية.

كبار رجال المخابرات السوفيتية
وتعكس محتويات متحف المخابرات الروسية الاعتزاز الكبير الذي تكنه هذه المؤسسة لواحد من أبرز رؤسائها يوري أندروبوف، الذي عمل على رأسها خلال 15 عاما، تمكن خلالها من وضع أسس نظرية وعملية لنشاطها سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي.
ومن الحكايات الطريفة التي وقعت في متحف (كي جي بي) في بداية التسعينات، ويرويها أحد حراس المتحف، عندما اقترب من بوابة المتحف رجل يبدو عليه أثر الثمالة، ليخاطب الحارس قائلا “أريد الدخول لألقي نظرة على صورتي المعلقة داخل المتحف”. وعندما طلب منه الحارس كشف وثائقه الشخصية، ما كان منه الا أن أخرج شهادة كتب فيها: ألكسندر ايفانوف، حكم عليه بتهمة التجسس وأمضى فترة العقوبة في السجن. أعاد له الحارس أوراقه الثبوتية قائلا: “اذهب وعندما تصحو من الخمر سأسمح لك برؤية صورتك في المتحف”. ولكن لم يكن هذا الرجل المخمور، سوى ألكسندر ايفانوف الذي كان يتبوأ منصبا في الأركان العامة السوفييتية قبل أن يعتقل في العام 1981، ويحكم عليه بالسجن بتهمة التعامل مع المخابرات الأمريكية، والذي لم يلبث أن غادر الى الولايات المتحدة الأمريكية، التي ضحى من أجل خدمتها بالكثير.
ديميري بولياكوف العميل الامريكي
وهناك الكثير من حكايات التجسس والجواسيس الروس التي يستعرضها متحف الـ(كي جي بي)، وأغلبها تقترب من أحداث روايات التجسس التي بات معروفا عنها الكثير، بما فى ذلك قصة النفق الذى اقامته المخابرات الامريكية فى برلين وكانت المخابرات الروسية على علم كامل بتفاصيله.

قصة الجنرال ديميتري بولياكوف تعتبر مختلفة بعض الشيء. فهذا الرجل الذي تبوأ منصبا مهما في المخابرات الروسية نفسها، والذي عمل 25 عاما لمصلحة المخابرات الأمريكية، سلم للجانب الأمريكي 19 جاسوسا اجنبيا عملوا لمصلحة السوفييت، وكشف عن 1500 ضابط في المخابرات السوفييتية العسكرية والخارجية، وقضى على المراكز الجاسوسية السوفييتية في الهند وبورما. وعندما سأله المحقق عما اذا كان قد شعر بالأسى لمصير هؤلاء الأشخاص الذين لم يكن بانتظارهم سوى الموت، قال بتكبر “لقد كان هذا عملي”، وأضاف “هل لك أن تصب لي قليلا من القهوة”. واذا كان المحققون الروس يعتبرونه واحدا من أحقر الجواسيس، فقد وصفه رئيس الاستخبارات الأمريكية السابق جيمس وولس، بأنه “جوهرة على تاج جاسوسية الحرب الباردة”.
وحتى هذه اللحظة لم تكشف الوثائق الروسية النقاب عن كيفية اكتشاف هذا الجاسوس الامريكي الثمين، لكنها تشير الى أن الشبهات كانت دائما تدور حوله، ودائما تصطدم بمقولة واحد من نواب رئيس الاستخبارات السوفيتية السابق، بأنه “لا يمكن لجنرال يعمل في المخابرات أن يكون خائنا”.
اعداد: هادي درابيه



shares