كيف جمع فيتالي كالوييف بين صفات القاتل والبطل الملهم

يعتبر المهندس المعماري فيتالي كالوييف بطلا قوميا في جمهورية أوسيتيا الشمالية الواقعة بالقوقاز الروسي. ترجع شهرته إلى انتشار قصة تعلقه الشديد بعائلته، وقد تخطت شهرته حدود روسيا لتلهم مخرجي هولييود ونجوم الموسيقى حول العالم. فما الذي دفع فيتالي كالوييف القوقازي للسفر إلى سويسرا لقتل بيتر نيلسن الدنماركي؟

فاجعة اوبرلينغن… كابوس آل كالوييف


في 1 يوليو/تموز 2002 كان يتواجد فيتالي كالوييف ببرشلونة، حيث كان يشرف على تشييد منزل فاخر لرجل غني في ضواحي المدينة. كان قد قضى فيها حوالي 7 أشهر وفي ذلك اليوم ذهب إلى المطار ،حيث كان من المفترض أن تنتهي الرحلة 2937 لطائرة الخطوط الجوية البشكيرية القادمة من مطار دوموديدوفو الدولي بموسكو، للقاء زوجته سفيتلانا كالويفا وولديه، قسطنطين ذي العشرة أعوام وديانا ذات الأربع سنوات لقضاء العطلة معا. كان فيتالي في مزاج جيد في ذلك اليوم. لكن الرحلة لم تصل إلى برشلونة. وكان ذلك اليوم هو المعروف باسم حادثة بحيرة كونستانس. في ذلك اليوم انقلبت حياة فيتالي رأسا على عقب. وقع الحادث فوق مدينة اوبرلينغن بالقرب من الحدود الألمانية السويسرية في الساعة 23:35 بالتوقيت المحلي. بينما تلقت طائرة الخطوط الجوية البشكيرية أمرا من برج المراقبة بالنزول إلى إرتفاع 11000 متر، وجه نظام TCAS(نظام إنذار إلكتروني بالطائرة لتجنب التصادم الجوي)قائد طائرة DHL للبريد السريع أن تنزل لنفس ارتفاع، مما أدى إلى اصطدام الطائرتين في الهواء..


في يوم وقوع الحادث كان هناك موظف واحد فقط يعمل في غرفة التحكم ببرج المراقبة، يدعى بيتر نيلسن وينحدر من الدنمارك. عندما أدرك نيلسن أن الطائرتين تتجهان نحو بعضها البعض، ربط الاتصال مع طائرة الخطوط الجوية البشكيرية ودعى الربان للهبوط بالطائرة 300 متر لتفادي الاصطدام. خلافا لتعليمات نيلسن، وجه نظامTCAS طائرة الخطوط الجوية البشكيرية إلى الصعود. عادة، في حالة وجود تناقض في التعليمات، يتم تدريب الطيارين لتجاهلTCAS والالتزام بتعليمات برج المراقبة. إلا أن الطائرة الأخرى لم تتلق التعليمات اللفظية وبدأت في الهبوط. عندما أدرك كلا الطيارين ماذا كان يحدث، كان الأوان قد فات. تضررت طائرة الخطوط الجوية البشكيرية بشكل بالغ وانفجرت في الجو لتتساقط أشلاؤهاعلى بعد عدة مئات من الأمتار من نقطة الاصطدام. من جانبها، طائرة DHL كانت أقل تضررا، واستمرت في التحليق لمدة دقيقتين أخرى حتى سقطت على الأرض. نتج عن الاصطدام مقتل 71 شخصا. كان على متن طائرة بوينغ 757 التابعة لشركةDHL الطيار بول فيليبس ومساعد الطيار برانت كامبيوني، أما على متن توبوليف تو-154 التابعة للخطوط الجوية البشكيرية كان 69 شخصا، معظمهم من التلاميذ الروس الذين كانوا مسافرين إلى إسبانيا لقضاء عطلة من خلال مبادرة لليونسكو مع جمهورية باشكورتوستان الروسية.

غضب كالوييف يؤججه فقدان للثقة في العدالة


كان كالوييف في مقدمة أقارب الضحايا الذين وصلوا الى موقع الحادث. أول شيء حاول القيام به هو العثور على الجثث. كان يعرف أن زوجته وابنه قد ماتا. سقطت جثة زوجته في حقل للذرة وابنه في على ناصية الطريق بالقرب من موقف للحافلات. وكان يأمل كالوييف في العثور على ابنته ديانا وهي على قيد الحياة بعد أن حاول لبضعة أيام العثور التعرف عليها بين الجثت لكن دون جدوى. تعلقه الشديد بأمل نجاة إبنته بث الحماس في روحه. بعد أيام من البحث، لمح قلادة اللؤلؤ التي تملكها ابنته ملقاة ومن تم عثر على جثتها سليمة على أغصان شجرة.بعد بضعة أسابيع، انتهى التحقيق الذي أجراه المكتب الاتحادي الألماني للتحقيق في حوادث الطيران. من خلال البيانات التي تم الحصول عليها من الصناديق السوداء، تم تحديد الإهمال من جانب الطيارين الروس بسبب تجاهلهم توجيهات TCAS. أما فيما يخص مسؤولية موظفي “سكاي غايد”(خدمات الملاحة الجوية السويسرية) فقد تمت الإشارة إلى أن مراقب الحركة الجوية، بيتر نيلسن، كان وحده أمام عدة رادارات، وأنه “فقد التركيز لانشغاله بإقلاع طائرة ايرباص 320 من مطار زيورخ “. وقد أدى عدم القدرة على تتبع سير الرحلتين على نحو فعال مع فقدان الاتصال مع أحدهما (طائرة DHL) إلى إرسال توجيهات مؤقتة إلى طائرة الخطوط الجوية البشكيرية أفضت إلى تضارب في إجراءات قائدي الطائرتين، حسب تقرير المكتب الاتحادي الألماني للتحقيق في حوادث الطيران. وخلص التحقيق الرسمي إلى أنه ينبغي الإفراج عن مراقب الحركة الجوية من تهمة الإهمال. وبالإضافة إلى ذلك، تم تمديد رخصة عمله على الرغم من أن نيلسن كان قد اتخذ بالفعل قرار التقاعد والتفرغ لزوجته وأبنائه.

وعانى فيتالي كالوييف من إنهيار عصبي بعد وقوع الحادث. وطبقا لشقيقه، فقد كان كالوييف يمضي كل وقته في المقبرة لمدة عام تقريبا، ويجلس خلف قبر زوجته وأطفاله، ثم أقام ضريحا لهم بمنزلهم بمسقط رأسه فلاديقوقاز، عاصمة جمهورية أوسيتيا الشمالية التابعة لروسيا الاتحادية. كالوييف لم يتوقف عن محاولة تسليط الضوء على وقائع الحادثة، ولكن بمرور الوقت وحرمانه من طرف المسؤولين الألمان والسويسريين من الوصول إلى المعلومات، تحولت آلامه ببطء إلى غضب. في نهاية المطاف تلقى كالوييف عرضا من “سكاي غايد”، الشركة المشغلة لنيلسن، لعقد اتفاق. ونص الاتفاق على منح تعويض 60 ألف فرنك سويسري على وفاة زوجته و 50 ألف فرنك على وفاة كل من أبنائه. في مقابل الاتفاق “سكاي غايد” طلبت من كالوييف أن يدع حدا للتحقيق الخاص الذي يجريه و أيضا لأي محاولة في المستقبل لمقاضاتهم. كان وضع سعر على وفاة زوجته وأولاده القشة الأخيرة التي قصمت فؤاد فيتالي كالوييف. لم يكن كالوييف مهتما بالتعويض المادي بقدر ما كان مهتما بمحاسبة من ظن أنهم مسؤولون عن حادثة الاصطدام. في الذكرى الاولى للمأساة، طلب كالوييف من أحد رؤساء “سكاي غيد” مقابلة المراقب نيلسن، لكنه لم يتلق أي رد. إثر ذلك قرر كالوييف تعيين محقق خاص في موسكو للعثور على منزل المراقب في سويسرا. بعدها بوقت قصير سافر كالويف إلى زيورخ.

الانتقام


قبل اسبوع من سفره، اتصل فيتالي كالوييف بشركة سفر سويسرية وطلب حجز غرفة بالقرب من مطار زيوريخ. بعد ذلك انتقل فيتالي إلى فندق في ضاحية كلوتن، حيث يعيش بيتر نيلسن مع زوجته وأطفاله الثلاثة. وفقا لموظفي الفندق، حرص كالويف على عدم جذب الانتباه. وقال مدير الفندق: تناول فيتالي وجبة الإفطار وحيدا وبعد ذلك تفحص الكتيبات التي تقدم جولات في المدينة. ومع ذلك، بعد ظهر يوم الثلاثاء 24 فبراير/ شباط 2004 كان كالوييف قد اتخذ بالفعل قراره.

غادر كالوييف غرفة الفندق رقم 36، وتوجه الى بيت بيتر نيلسن. يتذكر أحد جيران نيلسن رؤيته لكالوييف في المنطقة المجاورة وسؤاله عما يريده. فيتالي لوح بورقة تحمل إسم نيلسن، ثم أشار الجار إلى باب منزل نيلسن. ولكن بدلا من طرق الباب، جلس كالويف في الحديقة الأمامية. وكان نيلسن، الذي عاش في سويسرا منذ عام 1995، قد عاد لتوه من رحلة إلى جنيف. وكانت زوجته قد أقلته من المطار قبل ساعات قليلة. لاحظ نيلسن وجود الدخيل، توجه إليه وسأله عن ماذا يريد. بعد فترة وجيزة سمعت زوجته ضجيجا قادما من الحديقة ثم هرعت خارجا لتجد زوجها مضرجا في دمائه. دارت بين الضحية والقاتل محادثة قصيرة ظلت فحواها لغزا حتى يومنا هذا. حضور الشرطة كان متأخرا وعانى نيلسن من جروح متعددة في جسمه بواسطة شفرة حادة. توفي نيلسن بعمر 36 عاما بعدما نزف حتى الموت أمام أعين زوجته وأطفاله.

تم العثور على كالوييف في فندق قريب في نفس اليوم، كان في صدمة وغير قادر على تذكر ما فعله. وفى محاكمة إغتيال نيلسن قال كالوييف إن حادث تحطم الطائرة قضى على حياته. وفي المحاكمة قال أيضا إنه كان يريد من نيلسن أن يعتذر له عن وفاة عائلته، وأضاف “ضربني في يدي عندما كنت أمسك ظرفا وصورة لأطفالي، أتذكر فقط أنه كان لدي شعور مزعج للغاية ، كما لو أن جثث أطفالي رجعت من قبورها”. لكن كالوييف لم يقدم أي تفسير حول سبب جلبه سلاحا قاتلا إذا كانت خطته سلمية فعلا. في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2005، أدين كالوييف بالقتل وحكم عليه بالسجن لمدة ثمانية أعوام. فجأة أفرج عنه في عام 2007 بعدما قضى ثلاث سنوات فقط من عقوبته، ويرجع ذلك من جهة إلى الضغوط التي مارسها المسؤولون الروس، ومن جهة أخرى فقد تبين ـ حسب المحكمة ـ أنه غير مستقر عقليا، وهو ما يبدو أنه لم يذكر في الحكم المبدئي.غادر فيتالي السجن السويسري وعاد إلى روسيا. ومن هناك عاد إلى منزله في مدينة فلاديقوقاز. كان في استقبال كالوييف جمهور كبير متحمس هتف به كبطل وأعضاء في منظمة روسية مكرسة لمساعدة أسر ضحايا تحطم الطائرة.

فيتالي الملهم

في عام 2007، بعد خمس سنوات كاملة من وقوع الحادثة، أدانت المحكمة أربعة موظفين في “سكاي غايد” بتهمة القتل بإهمال وحكمت على ثلاثة منهم بسنة واحدة سجنا مع وقف التنفيذ وعلى الرابع بغرامة، فيما تم تبرئة أربعة آخرين. وقالت المحكمة انه كان من الممكن تفادي الاصطدام لو كان مراقبين اثنين في الخدمة ليلة الحادثة. كان نيلسن المراقب الوحيد لحركة المرور الجوية، ووجه بعض المتهمين اللوم له لعدم إتباعه للإجراءات. بيد أن النيابة قالت ان ثقافة الاهمال العامة فى “سكاي غايد” ساهمت في وقوع الحادثة، مشيرة الى ان الحادثة لم تكن خطأ نيلسن وحده. عين كالوييف وزيرا للتعمير وسياسة البناء في جمهورية أوسيتيا الشمالية. بينما عادت زوجة نيلسن برفقة أطفالها للعيش في الدانمارك. أدت الحادثة إلى إفلاس شركة الخطوط الجوية الباشكرية التي توقفت رحلاتها نهائيا سنة 2007.
أفلام عالمية

ألهمت قصة تعلق كالوييف الشديد بعائلته العديد من المغنيين والمخرجين العالميين وجسِدت شخصيته في العديد من الاعمال الفنية. فقد أصدرت الفرقة الموسيقية الأمريكية “دلتا سبيريت” سنة 2010 أغنية بعنوان “Ballad of Vitaly” (قصة فيتالي). لكن يبقى فيلم “Aftermath”(ما بعد الحادثة) من بطولة الممثل الأمريكي وحاكم ولاية كاليفورنيا السابق أرنولد شوارزنيجر أبرزها، وقد استوحيت أحداث الفيلم ،الذي صدر في أبريل/نيسان الماضي، من سيرة فيتالي كالوييف الذي جسد شخصيته شوارزنيجر. كالوييف صرح لوكالة انباء سبوتنيك اوسيتيا ” أظن أنه (شوارزنيجر ) قضى الفيلم بأكمله يتسول الشفقة ، أستطيع أن أقول لكم أنه لم يكن كذلك بالنسبة لي. لا اريد شفقة احد “. وقال كالوييف ان الفيلم يصور نيلسن “ضحية للظروف” وأنه أظهر الندم على خطأه، بيد ان كالوييف أصر على انه لم يتلق اعتذارا قط. “كانت لديه غطرسة وازدراء في عينيه. الفيلم لا يظهر هذا “قال كالوييف، مشيرا إلى أنه تم التغاضي عن كيفية عرض “سكاي غايد” 160 الف فرنك سويسرى لوفاة عائلته.
إعداد: عرفات طه