أسرار ظهور الآيس كريم، والهامبرغر في زمن السوفييت

في العام 1937، ظهرت منتجات جديدة في المحال التجارية بالعاصمة السوفيتية موسكو، وسرعان ما أصبحت ذات شعبية كبيرة لدى الزبائن الروس، وهذه المنتجات هي – الآيس كريم، المايونيز والشمبانيا والهامبرغر. لماذا حظيت هذه المنتجات بإعجاب المجتمع الروسي، وكيف وصلت هذه المنتجات إلى الزبون الروسي.

 

المفوض الشعبي – حبيب الشعب

في صيف العام 1936، كان أناستاس ميكويان، رئيس صناعة الأغذية السوفياتية (في الصحف كان يطلق عليه اسم “المفوض الشعبي المحبوب”) يستعد مع زوجته وأبنائه الخمسة لرحلة استجمام إلى منتجع سوتشي على البحر الأسود. وقام بزيارة الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين ليودعه، إلا أن هذه الزيارة غيرت فجأة كل خططه: “لماذا السفر إلى سوتشي؟ سافر إلى أمريكا أفضل!”. فال ستالين لميكويان، وأضاف “هناك سيكون بإمكانك الاستجمام، وسوف تحصل على الخبرة”. “والأسرة؟” سأل ميكويان مندهشا. “يمكنك أن تأخذ أشهين (زوجته) معك، أما الأطفال فليستجموا في شبه جزيرة القرم” أجاب ستالين مبتسما.

Картинки по запросу Анастас Микоян Сталин

وترأس المفوض الشعبي وفدا، توجه في رحلة عمل لمدة شهرين إلى الولايات المتحدة، للتعرف على أفضل الخبرات ونقلها. وكان على الضيوف من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية دراسة سوق المواد الغذائية ما وراء المحيط. وعن تفاصيل الرحلة، تحدث ميكويان بعد سنوات عديدة في مذكراته “هكذا كان الأمر”، قائلا:

“لقد أوعزت إلى جميع أعضاء مجموعتنا ليس فقط بكتابة كل شيء جديد سوف يرونه في المصانع الأمريكية، ولكن أيضا بتحديد تفاصيل كل شيء (حتى لو كان قليل الأهمية)، من ما يمكن نقله إلى الوطن، وفي الوقت نفسه التفكير في الأنشطة العملية التي يجب أن تساعدنا في هذا”.

57d1eab401782cb99a6e33d185d57574a47cc714

الأمور المدهشة كانت عديدة، وقد دهش العديد من المتخصصين السوفييت، لأنهم لم يروا شيئا من هذا النوع، مثل: الكافيتريات الآلية، ومقاصف الخدمة الذاتية، والثلاجات العملاقة، ومصانع الآيس كريم والمخابز واللحوم والأسماك المعلبة، والمفرقعات والبسكويت ومسحوق الحليب والشوكولاتة والحلويات.

 

أمور أكثر إثارة للاهتمام من الشيوعية

في نيويورك، تذوق ميكويان وغيره من المتخصصين عدة أصناف من الآيس كريم. فأعجبوا بطعم تلك المصنوعة مع الفانيليا والفواكه والحليب، وكريم برولي، وبالإسكيمو، وبالتالي جلب الوفد السوفيتي إلى الوطن تكنولوجيا الإنتاج الصناعي لهذه الأنواع.

ومن ثم، تم توريد المعدات إلى الاتحاد السوفيتي لمصنع الآيس كريم، الذي تم بناؤه في مبنى ثلاجة موسكو رقم 8. وظهرت الأصناف الجديدة في المحال التجارية في موسكو، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1937.

D989254a02870e716149b0d13da5798093fb3800

وقد يتساءل الكثيرون: ألم يكن هناك آيس كريم في روسيا من قبل؟ كان، ولكن كان يتم إنتاجه بطريقة قديمة وبكميات قليلة.

قبل الحرب الوطنية العظمى، في 12 مارس/آذار 1941، دخلت منتجات الآيس كريم الإنتاج الحكومي. وقد تمت مراقبة طريقة إنتاجه بدقة متناهية. ولم تستخدم سوى المكونات الطبيعية، وفي ذلك الوقت لم يكن المصنعون يعرفون حتى بوجود أي مواد حافظة.

لذلك ليس من المستغرب أن “المفوض الشعبي – حبيب الشعب” كان مفتونا بالابتكار، لدرجة أن ستالين وجه له ملاحظة قائلا: “أناستاس ايفانوفيتش، أنت شخص لا يولي اهتماما بالشيوعية، بالقدر الذي يهتم  فيه بحل مشاكل صنع الآيس كريم الجيد”. وليس من الواضح ما الذي كان يقصده ستالين بهذه الكلمات – الثناء أم الإنتقاد.

 

تشرشل يتفاجأ

في السابق، كان يتم بيع الآيس كريم مع بداية الأيام الحارة وحتى بداية هطول أمطار الخريف، وبعد ظهور الأنواع الجديدة، أصبح هذا المنتج شعبيا في كل المواسم. وحتى في الطقس البارد. وعن هذا الموضوع هناك قصة طريفة.

04b07e1875d92dcd96f4f064d49b55a5626c1dfd

ففي خريف العام 1942، وصل رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل إلى موسكو. وتوقفت سيارته عند إشارة مرور وسط العاصمة، ومن وراء الزجاج، رأى رئيس الوزراء الإنجليزي رجلا يقف ويأكل الآيس كريم. لم يصدق تشرشل عينيه، وسأل مرافقه: “هل يأكل هذا الرجل حقا الآيس كريم؟”. بعد ذلك قال تشرشل العبارة التي أصبحت أسطورة: “الشعب الذي يأكل الآيس كريم في مثل هذا الطقس البارد، شعب لا يهزم”.

وبالمناسبة، في منتصف السبعينات، ظهر في موسكو آيس كريم بطعم الطماطم. وكان يتم بيعه في أكواب من الورق المقوى مع عصا خشبية.

 

مايونيز وشامبانيا.. علامات الرغد

ميكويان جلب من الولايات المتحدة تكنولوجيا إنتاج المايونيز. عندما ظهر هذا المنتج في موسكو، كان عدد المعجبين به قليلا، على الرغم من أن المايونيز حظي بدعاية كبيرة – إذ تم عرضه في محال المواد الغذائية مدهونا على الخبز. وكان المشترون يتساءلون “أهو نوع جديدة من القشدة؟” لتجيب الفتيات الجميلات: “لا، إنه مايونيز”.

9e3518a5a3dafee0f6abff95e52068f36f62d9cb

ولكن لم يمض وقت طويل، حتى أصبح المايونيز عنصرا تقليديا في السلطات الاحتفالية. كما أن العديد من الناس كانوا يتناولون المايونيز يوميا مع الخبز.

وبعد عام، وبفضل “حبيب الشعب”، بدأ في الاتحاد السوفييتي، إنتاج الشمبانيا. وقال ميكويان فى العام 1936: “ان الرفيق ستالين قال إن العمال والفلاحين يكسبون الكثير من المال، وكذلك المهندسين والآخرين يكسبون الكثير.. وإذا كانوا يريدون شمبانيا، هل يمكنهم الحصول عليها؟ فالشمبانيا تدل على الازدهار المادي، وهي علامة على رغد العيش”.

ووفقا لميكويان، ستالين كان معجبا بالشمبانيا الحلوة ونصف الحلوة. ولم تعجبه الشمبانيا الجافة، حتى أنه اقترح وقف إنتاجها، “وبصعوبة تمكنت من الدفاع عن هذه الأصناف، مبررا ذلك بمتطلبات التصدير.

Картинки по запросу советское шампанское

ومن أجل إنتاج الشمبانيا، تم استدعاء صانع النبيذ الشهير أنطون فرولوف-باغريف، الذي اكتسب شهرة حتى قبل الثورة. وأصبح رئيس قسم معهد موسكو التكنولوجي للصناعات الغذائية، وخبير الشمبانيا الرئيسي في البلاد. وفي العام 1942، تلقى فرولوف-باغريف جائزة ستالين من الدرجة الثالثة – لاختراع معدات جديدة وطريقة صنع الشمبانيا.

وبفضل ميكويان، تم أيضا شراء معدات لصنع الخبز “الحضري”، ولإنتاج مختلف الأغذية المعلبة وعصائر الفواكه والخضار والبسكويت والحلويات والشوكولاتة. في تلك السنوات، تم من أمريكا جلب النقانق، ورقائق الذرة، والكاتشب، والحليب المكثف والحليب المجفف.

 

الهامبرغر الموسكوفي الساخن

ومع ذلك، لم يتم جلب جميع المنتجات الجديدة من تلك الرحلة التجارية. إذ كان من الممكن أن يتناول سكان موسكو، وسكان الاتحاد السوفيتي بأسره، الهوت دوغ وغيرها من الوجبات السريعة قبل 80 عاما، في العام 1937. كما كان من الممكن أن يشربوا الكوكا كولا. إلا أن هذا حدث في وقت لاحق.

خلال نزهة في نيويورك، وجه ميكويان الانتباه إلى طبق شعبي: اللحم المفروم الساخن في شطيرة خبز – الهامبرغر. وتركت هذه الوجبة السريعة الأمريكية انطباعا كبيرا على ميكويان. وكان يعتزم نقل هذه التجربة إلى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. وقال ميكويان “يجب أن يكون متاحا للعمال منتج جاهز أو شبه جاهز لا يحتاج سوى القليل من التدفئة، ويجب أن يضاف لهذا المنتج أي نوع من المقبلات”.

44230fdf4f9eaf18df174352ba4349f7f3fa06af

وطلب المفوض الشعبي عينات من الآلات التي تنتج مثل هذه القطع، وكذلك أفران يمكن استخدامها في الشارع. وفي العام 1937 في موسكو ولينينغراد وباكو وخاركوف وكييف، بدأ الإنتاج الضخم لقطع اللحم المفروم تحت معيار واحد. واجتذبت الملصقات الملونة انتباه المستهلكين في موسكو، والتي كانت تحمل شعار “اللحم الموسكوفي الساخن مع شطيرة الخبز”، وبذلك، حظي هذا المنتج بشعبية كبيرة.

إلا أنه وبعد فترة، اختفى المنتج من الأسواق. ولا يزال غير معروف، ما إذا كان إنتاج هذا النوع من الأغذية غير مربح، أم أن ظروفا أخرى منعت الإنتاج الضخم للوجبات السريعة السوفياتية. وووفقا لميكويان، فقد عرقلت الحرب تطور هذا الإنتاج.

كما أن الاهتمام الكبير للوفد السوفياتي إلى الولايات المتحدة، وقع على المشروبات الغازية. في ذلك الوقت في الاتحاد السوفياتي تم إنتاج عدد كبير من مياه الفاكهة، ولكن جودتها كانت أقل بكثير من المطلوب. ودرس الضيوف عملية إنتاج كوكا كولا، التي نالت إعجابهم فور تذوقها.

Ac35ac1c74386d85a45b41780e3d10036f26d5cb

إلا أنه وبعد حساب التكاليف، اضطروا إلى التخلي عن فكرة تقديم هذا الشراب للشعب السوفياتي. وبالإضافة إلى ذلك، رفض الأمريكيون بيع وصفة الكوكا كولا، عارضين تصدير شراب مركز. وهكذا ظهرت الكولا في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في أواخر السبعينات، قبل دورة الالعاب الاولمبية في موسكو، أما أول مطعم “ماكدونالدز”، فقد ظهر في العاصمة فقط في العام 1990.

 

ستالين ضد الثلاجات

شيء آخر، مفيد في جميع النواحي، ميكويان لم يكن قادرا على جلبه إلى الاتحاد السوفيتي، ولأسباب غريبة جدا. زار المفوض الشعبي مصانع شركة جنرال إلكتريك لإنتاج الثلاجات المنزلية، حيث كان يتم إنتاج أكثر من 100 ألف قطعة كل عام، وكانت تحظى بشعبية كبيرة.

وكتب: “عندما عدت من الولايات المتحدة، في محادثة مع ستالين، طرحت مسألة بدء إنتاجنا الضخم للثلاجات المنزلية، وتنظيم الإنتاج في العديد من أكبر مصانع بناء المعدات (الأمر الذي تم القيام به لاحقا)”.

ومع ذلك، لم يتفق ستالين مع ميكويان. ذلك أنه وفي أراضي الاتحاد السوفياتي الشاسعة- فصل الشتاء طويل للغاية، وبالتالي لا توجد حاجة للثلاجات، وفي أشهر الصيف اعتاد سكاننا على الحفاظ على الطعام في الأنهار الجليدية والأقبية. وربما كانت الحجة الأخيرة حاسمة. لم تتم إزالة الجليد عن هذه القضية إلا بعد سنوات عديدة – في العام 1950، عندما بدأ في موسكو إنتاج “خزانات التبريد”.

ومع ذلك، من الناحية الفعلية، كان ميكويان مديرا فعالا – كان يعرف ما يحتاجه الناس وأفضل السبل لتنظيم إنتاج هذه المنتجات والمشروبات. فهو ليس فقط قام بترتيب إنتاج المعدات والأغذية، ولكن أيضا كان يتذوقها بنفسه. وقال ميكويان بفخر “لم يتم إصدار أي منتج من قبل أي مؤسسة، قبل أن بقدموه لي لتذوقه.. لقد تذوقت كل شيء.”

وبشكل عام، تصرف القادة السوفييت الآخرين بنفس الطريقة. فقد جمع ستالين، على سبيل المثال، المسؤولين ليقوموا معا بالنظر في أنواع جديدة من الصابون لرفضها أو السماح بها. ذوق النخبة الحاكمة -كما في مجالات أخرى من الحياة- أصبح المعيار لذوق الملايين من الشعب السوفياتي.
إعداد: هادي درابيه



shares