العملة الخضراء تفقد بريقها في روسيا

استأثر الدولار بحصة الأسد في هيكل الديون الخارجية الروسية، بنسبة كانت تقترب من السبعين في المئة، لكن المتغيرات الأخيرة على مستوى الاقتصاد العالمي والسياسات المناهضة لروسيا التي تمثلت في فرض عقوبات على موسكو أدت إلى الابتعاد عن العملة الخضراء والاقتراض بها، ما انعكس سلبا على دور الدولار في هيكل الديون الروسية، فإحصاءات المصرف المركزي أظهرت مؤخرا تراجع حصة الدولار إلى 60% ما يعتبر أدنى مستوى له منذ عام 2014 .
حصة الدولار في هيكل الديون الخارجية الروسية كانت تشكل في يناير/ كانون الثاني من العام الماضي حوالي 68% ومنذ ذلك الحين بدأت حصة العملة الخضراء تتراجع فصليا بنحو 1-2 %.
التراجع في حصة الدولار لم يكن على حساب زيادة حصة اليورو أو عملات أخرى، إذ بقيت نسبة العملة الأوروبية تشكل 14%، وإنما كان لزيادة دور العملة الروسية، حيث ارتفع نصيب الروبل من 16% مطلع عام 2016 إلى 23% في العام الجاري.

روسيا بدأت بتقليص اعتمادها على الاقتراض بالدولار ردا على العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن على موسكو، وذلك حسب تصريحات سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسية، لكن التراجع في استعمال الدولار بدا جليا قبل العقوبات، ولم يكن بدوافع سياسية، وإنما بسبب سياسة مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي ، لاسيما بعد طي ما عرف ببرنامج ” التيسير الكمي” لحفز الاقتصاد الأمريكي، حين كانت الفائدة تقارب الصفر وكان الاستقراض مجديا، إلا أنه بعد أن بدأت المؤسسة الأمريكية برفع أسعار الفائدة أصبح الاستقراض بالدولار غير مجد، وأصبحت الكفة تميل لصالح اليورو نتيجة الاستقرار في السياسة النقدية الأوروبية.

انخفاض حصة الدولار يظهر بوضوح في القروض الحكومية، إذ تراجعت حصة العملة الخضراء من 51% عام 2015 إلى 28% في العام الجاري، وهذا ليس بسبب سياسة من وزارة المالية، وإنما لعوامل السوق، والمستجدات الاقتصادية، وما يفسر الحصة الكبيرة للدولار الأمريكي في الديون الروسية هو أن سوق الدولار أكثر سيولة من سوق العملة الأوروبية، وفي الوقت ذاته فإن روسيا بشكل تقليدي تصدر سندات ديون بقيمة عشرة مليارات دولار ، فإنه من الطبيعي أن تلجأ للدولار، ولكنها في حال أرادت تقليص الاعتماد على الاقتراض الخارجي، وإصدار سندات بقيمة أقل ،وهذا ما تفعله منذ فرض العقوبات، فإنها قد تزيد حصة اليورو، ولكنها تفضل الاقتراض من السوق الداخلية بالعملة الوطنية.

وفيما يتعلق بالقطاع الخاص فإن التراجع تدريجي، بمقدار 5% سنويا لتبلع حصة الدولار 63%، فالشركات الروسية تعمل على سداد ديونها بالعملة الأمريكية، والاقتراض يميل لصالح الروبل وللعملة الأوروبية ، حيث ارتفعت حصتها لنفس الفترة بمقدار اثنين في المائة لتبلغ 16%.
روسيا تسعى إلى تنويع مصادر الديون الخارجية، فعينها في السنوات الأخيرة على السوق الأسيوية، لاسيما بعد المتغيرات السياسية التي لا تصب في مصلحة موسكو وتضيق الخناق عليها في الخروج إلى أسواق السندات الغربية.

تعزيز دور الروبل في القطاعين العام والخاص

وتجلى التوجه الحكومي نحو الروبل في العاميين الماضين في ازدياد حصة الروبل في الديون الخارجية إلى سبعين في المائة، وأحد عوامل تراجع حصة الدولار هو، إدارة المخاطر، فالشركات التي وقعت تحت طائلة العقوبات لاسيما شركات الطاقة غيرت محافظها من الدولار إلى الروبل، و “روس نفط “إحدى هذه الشركات فهاهي تعتزم طرح سندات بالروبل الروسي، والجدير بالذكر أن الحكومة الروسية لا تتدخل بسياسة الاقتراض للشركات، وإنما توصي بأن تتوزع المحافظ ب مناصفة بين الروبل والعملات الصعبة، أو بـ 30% لكل من الروبل والدولار واليورو.
الدور الأكبر الذي لعب دورا في تراجع حصة الدولار هو الشعب وليس الشركات أو المصارف التمويلية، وذلك لارتفاع سعر صرف الروبل نتيجة للاستقرار المالي في روسيا، وإقبال الأجانب على شراء السندات الروسية الحكومية المقومة بالعملة الروسية في انتظار أن تتعزز قيمة الروبل وأن تنخفض سعر الفائدة.

المصارف التي يشكل الدولار سبعين في المائة من ديونها بدأت بتقليص القروض بالعملات الصعبة والتوجه نحو الروبل بعد تشديد السياسة النقدية للبنك المركزي عليها، علما بأنه لا يتدخل بأدوات تمويلها لكنه والحكومة يرون أن دورهم يكمن في توفير الاحتياطات اللازمة من العملات الصعبة للتحكم بالمخاطر المالية وضمان استقرار سعر صرف الروبل.
ويبدو أن الدولار بدأ يفقد بريقه ليس في مجال الاقتراض فحسب، فزيادة الانتاج المحلي الزراعي والصناعي بعد العقوبات وسياسة “استبدال الواردات” يمكن أن تؤدي في النهاية إلى الحد من ظاهرة “الدولرة” التي سيطرت على الاقتصاد الروسي في تسعينات القرن الماضي مع انهيار الروبل وفقدانه قيمته، وتراجع معظم الصناعات ما أدى إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم والأسعار.
إعداد: ناصر عمارنة