عبد الناصر والسادات في ذاكرة رجل مخابرات سوفيتي

رغم التحولات السياسية التي شهدتها الأعوام العشرين الأخيرة في روسيا، والتي غيرت التوجهات والأيديولوجيات وطالت حتى أسماء الشوارع، إلا أن يد التغيير التي عصفت بالبلاد بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي، لم تطل الود والإحترام الذي يكنه الروس، للزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر.

حظي الرئيس المصري جمال عبد الناصر بحب الروس واحترامهم له كزعيم ثوري، وكحدث تاريخي، وقدموا لمصر خلال عشرة أعوام من علاقتهم بها أكثر مما أعطوه للصين على مدى ربع القرن، وكانت المرة الوحيدة في تاريخ الاتحاد السوفيتي التي اجتمع فيها المكتب السياسي خلال أربع وعشرين ساعة، عندما قام عبد الناصر بزيارته السرية إلي موسكو في 22 يناير/كانون الثاني 1970، وكان حينذاك مريضا ومنهكا ومعذبا بالرغبة في تحرير بلاده ، وطلب نقل صواريخ سام – 3 مع خبراء لتدريب المصريين عليها، وكان معنى ذلك الوحيد أن السوفيت يتدخلون بأنفسهم وشكل مباشر وعسكري في الصراع في الشرق الأوسط، فنشب نقاش حاد بين وزير الدفاع غريتشكو ورئيس الوزراء ألكسي كوسوجين بصدد مطلبه، وتدخل بريجنيف محتدا بقوله: ” كفى نقاشا.. علينا أن نتخذ قرار حاسما”، وكان القرار لصالح مصر وعبد الناصر.

سجل رجل المخابرات المعروف فاديم كيربتشنكو ذكرياته عن مصر وعن عبد الناصر والسادات في كتابه “المخابرات، وجوه وشخصيات” وقام بترجمة أجزاء منه، الكاتب المصري أحمد الخميسي.

وفي كتابه، يقول كيربتشنكو: “لقد كتبوا الكثير عن عبد الناصر، وسوف يكتبون الكثير عنه. وقد برز عبد الناصر كزعيم سياسي وثوري بالضبط في الوقت الذي كانت فيه مصر والعالم العربي وأفريقيا بحاجة إلي مثل هذه الشخصية القادرة على قيادة النضال ضد الاستعمار والإقطاع والنظم الملكية المتعفنة. عبد الناصر كان الرجل المنشود في اللحظة المناسبة. بفضله تطورت العلاقات المصرية السوفيتية على صعيدي الصداقة والمنفعة المتبادلة، ثم تطورت بعد ذلك علاقات الاتحاد السوفيتي بالعالم العربي كله. وهنا لابد من الإشارة إلي أن العلاقات السوفيتية – العربية كانت لسنوات طويلة عنصرا هاما في مجمل السياسة الدولية. والحق أن شخصية عبد الناصر بحد ذاتها كانت تثير اهتمامي الكبير، وحاولت دائما أن أعرف عنه أقصى ما أستطيع. وربما أن عبد الناصر كان أحد آخر الثوار الرومانسيين في السياسة، فقد كان يقدر دائما محدثيه الجديرين بالاحترام، ويلتزم بكلمته، ويؤمن بمستقبل شعبه السعيد. وخلال سنوات عملي الطويلة في مصر – عشرة أعوام على فترتين – كان على أن أوقع الكثير من البرقيات والتقارير المرسلة إلي موسكو، وكان جمال عبد الناصر موضوعها الرئيسي، وحتى عندما غادر عبد الناصر عالمنا وأصبح السادات رئيسا لمصر كنت وأنا أقيم سياسة السادات أعود إلي شخصية عبد الناصر وأقارن بشكل دائم بين هاتين الشخصيتين. وقد لا يكون من المفيد هنا في مجال ذكرياتي الشخصية أن أتعمق في مسألة من نوع الأهمية السياسية لعبد الناصر، خاصة أنني على صعيد السياسة لن أقدم أية مفاجأة جديدة. وكل ما في الأمر أنني أريد أن أكرس عدة صفحات لملاحظاتي الخاصة التي ظلت عالقة في ذاكرتي، لكي يستطيع القارئ أن يتخيل عبد الناصر ليس فقط كقائد وزعيم، ولكن كشخص من لحم ودم”.

“كنا، لسنوات طويلة – خلال عملنا الحزبي والرسمي – حين نريد التأكيد على أهمية الشخص الاجتماعية نكتب : “المصالح الاجتماعية تعلو لديه على المصالح الذاتية”. ولعل هذه العبارة البيروقراطية التي تشبه الكليشيه هي أكثر العبارات التي تنطبق على عبد الناصر. فقد وعى مبكرا أهميته كقائد سياسي، وأخضع نفسه بالكامل لخدمة مصر وحركة التحرر الوطني. وقد تمتع ناصر باحترام هائل في العالم العربي بأكمله، وقد أحبه العرب من صميم قلوبهم وافتخروا به، لأنه كان يجسد بالنسبة لهم في كل رقعة الأمل في مستقبل أفضل. وكانت صورة ناصر معلقة في كل أقطار العالم العربي داخل البيوت وعلى جدران المقاهي والأكشاك في الشوارع، اللهم إلا إذا كانت صورة ناصر تهدد من يعلقها بالملاحقة والاعتقال. وقد أدهشني شخصيا ذلك الكم الهائل من صورة عبد الناصر في المملكة الليبية حينذاك، وأيضا مشاعر التقدير والإعجاب به التي كان أصحابها يعربون عنها بقوة. وكنت قد قضيت عدة أيام في ليبيا في نوفمبر عام 1963، ووجدت أن كل كشك في سوق طرابلس يضع صورة كبيرة ملونة لعبد الناصر، وعلى مقربة من صورة ناصر صورة صغيرة غير ملونة للملك إدريس السنوسي وهو أمر لابد أن الملك كان على علم به بطبيعة الحال”.

“لم يكن عبد الناصر يعبأ على الإطلاق براحته الشخصية، أو باقتناء الأشياء، وعلى وجه الخصوص لم يكن يهتم باكتناز المدخرات، وعاش فقط على اهتمامه الوحيد بالقضايا الفكرية والسياسية. وكانت هذه الصفات تتضح في بيت عبد الناصر على نحو بين. فقد قضى حياته بالمنطقة العسكرية في العباسية في نفس المنزل الذي عاش فيه حين كان مجرد بكباشي. وفيما بعد لم يدخل سوى بعض الإصلاحات البسيطة على نفس البيت. ولم ينساق عبد الناصر لإغراء ترقية نفسه كرجل عسكري وهو الأمر الذي فعله تقريبا كافة الحكام من القادة العسكريين. ولنأخذ على سبيل المثال الرئيس أنور السادات – فقد اخترع لنفسه مختلف الشرائط التي تميزه عن العسكريين، واخترع لنفسه زيا خاصا به كقائد عام أعلى، بل ومنح نفسه لقب “الحاكم العسكري الأعلى”. وكان السادات يغطى – بمختلف الشارات الملونة -قبعته وكتفيه وصدره وعروات أزرار الجاكتات والأوشحة الممتدة من كتفيه حتى أن عيون الناظرين إليه كانت تتموج من الوميض الذي ترسله كل تلك الزينة. وبالمناسبة، فإن هذا الزي الرسمي للسادات هو الذي أصبح فيما بعد هدفا مناسبا جدا للرصاص الذي انطلق وصرعه في 6 أكتوبر 1981 أثناء الاستعراض العسكري بمناسبة الذكرى الثامنة لحرب أكتوبر. وقد شاعت في وسائل الإعلام الغربية قصص لم تحدث أبدا عن حياة عبد الناصر الشخصية، وظهرت خاصة مقالات دورية عن تحويل عبد الناصر أموالا (مفهوم أن ذلك تم بطرق غير شرعية) إلي حسابات سرية في البنوك السويسرية. وفي الواقع، فإن طريقة حياة عبد الناصر المتواضعة كانت تنفي تلك الإدعاءات حتى أن مثل تلك الأنباء والإشاعات كانت تتبخر واحدة بعد الأخرى من تلقاء نفسها بحيث لم يبق منها شئ في نهاية المطاف. وبعد وفاة عبد الناصر اتضح أن حسابه الشخصي لم يكن يحتوى إلا على ستمائة جنيه مصري فقط لا غير”.

“خلال زيارة عبد الناصر الأولى للاتحاد السوفيتي في أبريل – مايو عام 1958 وجه نيكيتا خروشوف قائد الاتحاد السوفيتي حينذاك سؤالا إلي عبد الناصر: كيف تقضي أوقات فراغك؟ وأجابه عبد الناصر بقوله: في ساعات الفراغ القليلة أمارس التصوير السينمائي. ثم دار نقاش حول هذا الموضوع، وقال خروتشوف خلال ذلك إن أفلام التصوير السينمائية الملونة تبدو أجمل بكثير من أفلام “الأبيض والأسود”، وحينئذ قال عبد الناصر: “إن أفلام التصوير الملونة غالية علي”. المهم أن عبد الناصر نطق بتلك العبارة بشكل طبيعي تماما ودون أي افتعال أو تصنع، قالها ببساطة كمجرد تقرير بواقع نظام حياته اليومي. وجدير بالذكر -عند الحديث عن تواضع عبد الناصر الأصيل– ذلك الجانب الذي يخص علاقته بأمنه الشخصي. وعلى سبيل المثال فقد كانت تحيط به حلقة كبيرة من الحراس عندما كان يقطع شوارع القاهرة بسيارته، ولم يكن الأمر يتجاوز تلك الحراسة البسيطة. فلم تكن هناك أية اجراءات أخرى لحماية عبد الناصر. والغريب في الأمر أن عبد الناصر نفسه لم يكن من النوع الذي يستشعر المخاوف والشكوك المبالغ فيها. ويمكنني شخصيا أن أشهد بذلك على أساس حقائق محددة . وعلى سبيل المثال فقد طلب مني عام 1956 أحد المحيطين بعبد الناصر إرسال اخصائيين إلي القاهرة للتشاور معهم بشأن تنظيم حماية أكثر أمنا للزعيم المصري. ووافقنا على ذلك الطلب على الفور. وسرعان ما وصل إلي القاهرة مسئولان كبيران من المخابرات السوفيتية “كي جي بي”. ودعانا عبد الناصر في بيته على الغداء. وفي جو منزلي دافئ للغاية أعرب عبد الناصر عن بعض أمنياته، منها أن تستفيد الأجهزة المصرية من خبرتنا لتنظيم حراسة الرئيس. وكانت دعوة المسئولين الكبيرين من المخابرات السوفيتية إلي القاهرة مرتبطة بالمعلومات التي جمعتها الأجهزة المصرية – عشية العدوان الثلاثي – عن خطط المتآمرين من الداخل والخارج لاغتيال عبد الناصر. وأجرينا مناقشات عديدة مع المختصين بحماية عبد الناصر خلال وجوده في المظاهرات والاجتماعات وخلال حركة سيارته في الشوارع، وخلال قيامه برحلات إلي خارج مصر، وأثناء تواجده في بيته، وتأكدنا بعد ذلك من أنه – خلافا لحلقة الحراس- لا تتخذ أية اجراءات أمنية من أي نوع لحماية الرئيس. واتضح أن الطاهي الذي يعد الطعام لعبد الناصر كان يشترى له الخبز من محل مواجه لبيت الرئيس! أما اللحوم والخضروات فكان يتجه لشرائها من أقرب سوق! ولم تكن هناك أيضا أية رقابة طبية على مواد الطعام التي تدخل بيت عبد الناصر، كما أن ذلك الموضوع لم يثر أصلا قلق أو اهتمام أحد! ولم يكن هناك أي نظام إنذار خاص بمقر الزعيم، أو خاص ببيته. وناقشنا أيضا إمكانية أن ينقل البعض إلي مقر أو بيت الرئيس أو قاعة الاجتماعات مواد مشعة أو سامة. وأراد المسئولون المصريون أن نمدهم بأجهزة خاصة لاكتشاف المواد المشعة أو السامة، ولكن الدهشة حطت عليهم حين نصحهم الجنرال الروسي بأن يضعوا عصفورا في قفص داخل الغرف والقاعات! وقال لهم: إذا مات العصفور – فإن ذلك يعني أن بقاء الإنسان داخل هذا المكان خطر. ولم يستطع المصريون أن يثقوا في فاعلية هذه الوسيلة، ومن ثم ظلوا يلحون علينا: أليس ثمة وسائل أكثر عصرية من العصفور؟ وظل خبراؤنا يكررون لهم أن هناك أبحاثا تجري في ذلك المجال ولكن ليس هناك ما هو أكثر فاعلية من عصفور في قفص! وفيما بعد ظلت حكاية العصفور تتردد طويلا في مناقشاتنا مع زملائنا المصريين.. فنقول لهم هذا جيد، وهذا أيضا حسن، لكن العصفور أفضل وسيلة حتى الآن! كان عبد الناصر أيضا خطيبا مفوها لا يشق له غبار، وقد ألقى خطابات كثيرة في قاعات وأماكن ممتلئة بالجماهير، فكان الناس ينصتون إليه باهتمام غير طبيعي مسحورين به.. ولابد من ملاحظة أن عبد الناصر كان يتوجه بخطبه إلي الفئات المتعلمة والفئات غير المتعلمة، وكان يأخذ تلك الحقيقة بعين الاعتبار. وكان يكرر خلال خطابه عدة مرات نفس الفكرة، أو حتى نفس العبارة، ولكن بأشكال مختلفة. وبهذه الطريقة تمكن من غرس أفكاره في وعي من يستمعون إليه من مختلف الفئات.

“خلال زيارة ناصر الأولى لموسكو اقتربت منه مع أحد المسئولين من المخابرات السوفيتية لنأخذ موافقته على موضوع ما، ولكنه بدلا من الترحيب بنا صاح فينا ضاحكا: يا جماعة .. خطوتكم واستقامة أجسامكم عسكرية مائة بالمائة! كان ناصر يمزح معنا بالطبع، فقد كان يعلم تمام العلم طبيعة عملنا. من ملامح عبد الناصر الهامة أيضا أنه لم يقلد ولم يكن ليقلد أحدا أبدا. بالنسبة له لم تكن هناك ضرورة لتقليد الآخرين. فقد كان شخصا متحدا مع نفسه بالكامل، جديرا بأن يقلده الآخرون ويحتذون حذوه. وهنا مرة أخرى تقفز إلي الذهن مقارنة هذا الزعيم مع أنور السادات . كان الأخير يؤدى طيلة الوقت دورا ما، وعاش دائما في شخصيات أخرى، وصور نفسه إما فيلسوفا، وإما “أبو العائلة”، وإما سياسيا داهية، وإما عسكريا استراتيجيا لا يبارى. ويعرف الكثيرون في مصر أن السادات كان في شبابه يجد نفسه في تقليد هتلر! والسبب في ذلك أن الألمان حينذاك – سنوات الحرب العالمية الثانية – أحرزوا في البداية عدة انتصارات على الانجليز في أفريقيا، ولهذا انتظر عدد من السياسيين والعسكريين المصريين دخول رومل إلي مصر ليحررها من الاحتلال الانجليزي. وظل اهتمام السادات لسنوات طويلة مركزا على شخصيات مثل تشرشل وستالين، وحاول السادات أيضا أن يتقمص تلك الشخصيات بل ودرس سيرة حياتها الذاتية، وخاصة الطريقة التي تصرف بها هذين القائدين. وكانت تلاحق السادات رغبة لا تهدأ في أن يلقي خطابا على الشعب على أن يكون بالحتم خطابا تاريخيا لا يتكرر، بحيث يدخل ذلك الخطاب إلي الأبد في ذاكرة الأمة، وتكون له أهمية حاسمة في حياة البلاد السياسية. ولذلك كان السادات يهتم بخطاب ستالين الذي وجهه إلي الشعب في 3 يوليو 1941. ووفقا لرأي عدد من المؤرخين فإن خطاب ستالين ذلك أدى بدرجة كبيرة لحشد الشعب السوفيتي للتصدي للغزاة الألمان. وكان السادات يتوق لأن يصبح صاحب خطاب تاريخي من هذا النوع، وهو الأمر الذي اعترف به السادات بلسانه للسيد فينوغرادوف سفيرنا في مصر حينذاك”.

“بالرغم من مهابة هيئة عبد الناصر العامة والقوة والثقة اللتين تشعان من جسمه وقامته العالية كان من الممكن – إذا طال الحديث معه – أن تلاحظ عليه حالة التوتر العصبية والإرهاق المزمن المرتبطين بقلة ساعات النوم على مدى سنوات طوال والعمل المتصل حتى الإنهاك التام. كانت يداه حين يقوم بمباحثات معقدة ترتجفان على نحو عصبي، أما أظافره فكانت مقروضة حتى اللحم الحي! وحينما كنت ألتقي بعبد الناصر بعد فترة طويلة من الانقطاع عن رؤيته كنت أشهد بوضوح كيف يأخذه الكبر والعجز بسرعة، وكيف تتزايد الشعيرات البيضاء في رأسه وفوديه، والأهم ذلك التغيير الذي كان يطرأ على نظرة عينيه. كانت عيناه تغدوان شيئا فشيئا أكثر حزنا، أما في السنوات الأخيرة فإن هاتين العينين كانتا تنطقان فقط بنظرة مريرة من الكآبة والشجن. ربما أحبطه الإخفاق، أو انصراف الأصدقاء المقربين عنه، أو الانعكاس القاتل لهزيمة 67”.

“في فترة عملي الثانية بمصر التي بدأت في 8 سبتمبر 1970 لم تتح لي الفرصة لألتقي بعبد الناصر حيا ، فقد توفي في 28 سبتمبر من نفس السنة. وفي الأول من أكتوبر مضت جنازته التي تجمعت خلالها كل مصر تقريبا. وقد يكون من المناسب هنا استرجاع صورة جنازة السادات التي مضى فيها خلف نعش السادات مجموعة من الحراس وعدد لا يتجاوز الخمسمائة فرد من المشيعين! وحتى هواة الفرجة من المصريين لم يمضوا خلف جنازة السادات! حينما مضى موكب المشيعين لعبد الناصر من ميدان التحرير في اتجاه مصر الجديدة كان المصريون الذين تدفقوا لتوديع عبد الناصر في طريقه الأخير لم يسدوا فقط كل متر من الشوارع بأجسادهم والشرفات وأسقف البيوت، بل وتسلق بعضهم أعمدة الكهرباء، وللقارئ أن يصدق أن البعض كان يجلس فوق سلوك الكهرباء مباشرة! ولا يعرف أحد حتى الآن بالدقة عدد المشيعين الذين ماتوا من شدة الضغط والازدحام وتحت الأقدام، ولكن من المؤكد أن عددهم كان كبيرا! وقد بدأ التزاحم والضغط الشعبي من هناك حيث اجتمع قادة مصر وضيوفها الأجانب الكبار لتشييع ناصر. وكان الجو حارا وخانقا وباعثا على القلق. وكانت جموع الناس تتدافع نحو المكان الذي أسجي فيه جثمان ناصر في نعش مغطى بعلم مصر، وبين حين وآخر كان البعض يغشى عليه، في البداية تهاوى على صبري أقرب أنصار الزعيم الراحل، ثم قرر أنور السادات بدوره أن يغشى عليه لكي لا يجرؤ أحد على اتهامه بأنه عديم الإحساس! تدافع أيضا من شدة الزحام رجال الحكم من النخبة المصرية والدبلوماسيون وأعضاء الوفود الأجنبية، وحينما تحركت العربة بالنعش تجرها ستة خيول، اندفعت نحوها الجموع في بلبلة ولغط. وحوصر قسم من حراسة الكسي كوسيجين في إحدى مناطق المدينة فلم يستطع أن يصل إلي رئيس الوزراء السوفيتي، وكان علينا نحن العاملين بالسفارة وبعض الحراس التابعين لنا أن نحيط كوسيجين بأجسادنا حماية له من طوفان البشر. وفيما بعد لاح خطر أن تهرس الجموع رئيسة وزراء سيلون فأدخلناها إلي حلقتنا، ثم طار فوق رؤوس المشيعين تقريبا جسم هيلاسلاسي آخر إمبراطور لأثيوبيا دون أن يدري أحد كيف تم ذلك! وقبل أن تبدأ عملية التدافع تلك كنا قد لحقنا بالاقتراب من نعش الزعيم الكبير لنودعه بعد أن أغلق إلي الأبد عينيه المرهقتين والحزينتين”.

“أورد قصة واحدة من بين قصص كثيرة راجت بعد موت ناصر لأنها ظلت عالقة في ذاكرتي حتى الآن: بعد شهر واحد من موت عبد الناصر، قال علي صبري خلال حوار مع السفير السوفيتي: ” كان بوسع عبد الناصر بحكم هيبته المطلقة أن يوحد الناس من مختلف المشارب، وأن يجعلهم يعملون معا، ويتحركون في اتجاه واحد، وقد مات عبد الناصر، وانهار كل شئ”. ومع ذلك فإن الاهتمام بذلك الزعيم الكبير مازال حيا ، لا ينطفئ ، ولا يخمد”.



shares