ميخائيل كلاشنيكوف.. مخترع السلاح الأشهر حول العالم

كشف النقاب في موسكو يوم الثلاثاء 19 سبتمبر/أيلول، عن تمثال للمهندس السوفياتي الراحل ميخائيل كلاشنيكوف، مخترع البندقية الشهيرة التي تحمل اسمه، والتي اصبحت “بصمة ثقافية لروسيا” وفق تعبير المسؤولين.

في قلب العاصمة الروسية تنتصب المنحوتة الفولاذية التي يزيد ارتفاعها عن سبعة أمتار، وهي تمثل ميخائيل كلاشنيكوف يحمل بيده الرشاش الذي صممه عام 1947، وانتج منه منذ ذلك الحين اكثر من مئة مليون قطعة في العالم وفق التقديرات. وقال وزير الثقافة الروسي فلاديمير ميدينسكي، إن المصمم كلاشنيكوف الذي توفي عام 2013 “كان يجسد افضل مزايا الإنسان الروسي من موهبة فطرية رائعة وبساطة ونزاهة”، واصفاً الرشاش الذي اخترعه بأنه “بصمة ثقافية فعلية لروسيا”.

 

حياة وإنجازات كلاشنيكوف

ولد ميخائيل تيموفيفتش كلاشينكوف في قرية كوريه في إقليم آلتاي الروسي عام 1919، وترعرع في عائلة بلغ عدد أفرادها 18 شخصا، ولم يبق على قيد الحياة إلا ثمانية. نُفي والده في بداية العهد الاشتراكي في عام 1930 من إقليم آلتاي إلى مدينة تومسك في شمال روسيا، بحجة انتمائه لطبقة ملاك الأراضي.

التحق ميخائيل بالمدرسة في سن مبكرة، وأظهر ولعا شديدا بالفيزياء والكيمياء والهندسة، وحصل لاحقا على أعلى الدرجات العلمية نتيجة الخبرة والمعرفة التي اكتسبها في ميدان تصميم وصنع الأسلحة.

مع بلوغه سن 18 توجه إلى كازاخستان حيث عمل موظفا في سكة الحديد، وقد عمق الاختلاط مع الحدادين والفنيين هناك لديه الرغبة في تطوير التكنولوجيا والابتكار.

وفي عام 1938 التحق بالجيش السوفياتي، وبدأ حلمه يأخذ طريقه إلى الواقع عندما عين في وظيفة قائد فريق في لواء الدبابات 12 بأوكرانيا السوفياتية. وسرعان ما بدأ في الابتكار، ونتيجة لاحتكاكه المباشر مع التكنولوجيا تمكن من تصميم جهاز قياس استهلاك محرك الدبابة.

Фото: Советский военный фотограф Михаил Калашников за работой у подбитого немецкого танка Pz. IV

وكان هذا الابتكار سببا لاستدعائه للاجتماع مع أحد قادة الجيش السوفياتي في ذلك الحين الجنرال غيورغي جوكوف وتقديم تقرير بهذا الابتكار. انخرط كلاشنيكوف -مثل الملايين من أبناء الشعب السوفياتي- في الحرب العالمية الوطنية العظمى ضد النازية في العام 1941.

وقاتل برتبة ضابط صف على متن دبابة إلى أن أصيب بجروح بليغة في ضواحي مدينة بريانسك وسط روسيا.

 

مرحلة الإبتكار والاختراع

استثمر كلاشنيكوف الجريح فترة علاجه -من إصابته بالحرب في المستشفى- للتفرغ لوضع تصاميم متطورة لبندقية رشاشة عصرية، معتمدا على تجربته الخاصة في القتال، وعلى الملاحظات التي كان يبديها رفاقه الجنود حول الأسلحة والبنادق التي كانوا يقاتلون بها على جبهات القتال ضد ألمانيا النازية.

Картинки по запросу михаил калашников

تمكن في بداية الأمر من تصميم مسدس رشاش، ومع أن هذا التصميم لم يرض القيادة العسكرية السوفياتية إلا أنها أوصت بضرورة أن يكمل تجاربه التقنية في ظروف علمية لائقة.

انضم للعمل في المركز العلمي الميداني للأسلحة الخفيفة، حيث وضع اللمسات الأخيرة على بندقيته الشهيرة التي دخلت التاريخ باسم كلاشينكوف.

Картинки по запросу михаил калашников оружие

وتم اعتماد هذه البندقية الرشاشة في عام 1947 أي بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وحولت للإنتاج الصناعي في مدينة آيجفسك ودخلت الخدمة العسكرية بالجيش السوفياتي.

ونتيجة لكثرة التجارب التي كان يجريها على البنادق، أصيب كلاشنيكوف بالصمم ولم يتمكن الأطباء من علاجه حتى أيامه الأخيرة.

 

مناصب وترقيات

رغم أن كلاشنكوف لم يكمل تعليمه، إلا أنه بات مخترعا عظيما وحصل في العام 1949 على جائزة ستالين التي وفرت له مبلغ مائة وخمسين ألف روبل، اي ما كان يشكل ثروة حقيقية، وما عبر عنه هو نفسه بالقول: “بواسطة هذا المبلغ كان يمكنني شراء دزينة من السيارات من أرقى طراز”. كان كلاشنكوف يحمل آنذاك رتبة عريف وقد تفرغ منذ ذلك القوت لتحسين تقنيات صناعة سلاحه والتفكير باختراع نماذج جديدة منه.

Картинки по запросу михаил калашников оружие

ومنذ عام 1950، أصبح عضوا في مجلس السوفييت الأعلى، وبقي في هذا المجلس حتى تم حله عام 1988، وكان معه في ذلك المجلس العديد من الشخصيات الروسية البارزة في عدد من المجلات مثل الشاعر رسول حمزاتوف ورائد الفضاء يوري غاغارين والكاتب ميخائيل شولوخوف وجراح العيون سفياتوسلاف فيدوروف.

حرص الاتحاد السوفيتي على اخفاء هوية كلاشنكوف باعتبار ذلك سرا عسكريا، فعند قيامه بأول رحلة له خارج البلاد في العام 1970 برفقة زوجته إلى بلغاريا، تلقى امرا بالمرور على مقر جهاز المخابرات الروسية (KGB) وكانت التعليمات واضحة، وهي ان لا يعرف البلغاريون ابداً هويته، لا سيما وأن المجموعة السياحية كلها كانت ستزور مدينة كازانليك حيث يوجد مصنع لرشاشات كلاشنكوف، بل وكان ينبغي عليه ان لا يعرف اعضاء المجموعة السياحية انفسهم هويته الحقيقية.

Картинки по запросу михаил калашников оружие

ورغم انتخابه 6 مرات لعضوية مجلس السوفييت الأعلى، إلا أنه لم يصبح أحد أعضاء النخبة السياسية الشيوعية النافذين، وقد عرف عنه أنه لم يكن أبدا من المؤيدين للسياسة التي انتهجها ميخائيل غورباتشوف منذ توليه السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق عام 1985، والتي أدت إلى انهياره في النهاية.

 

فخر وندم

رغم الشهرة التي امتاز بها السلاح الذي ابتكره، إلا أن ميخائيل كلاشنيكوف لم يتلق اي مبلغ عن أي قطعة انتجت أو صنعت لسلاحه في أي مكان في العالم، كما لم يحصل على براءة اختراع لبندقيته تلك!

وتقول صحيفة “التايمز” البريطانية أنه كان من النادر أن يمر يوم دون ان يرى فيه كلاشنكوف بندقيته على شاشة التلفاز، وبينما كان يفخر لرؤيتها في أيدي جنود الجيوش النظامية وحركات التحرير، كان في الوقت ذاته يشعر بالاسى لرؤيتها بين ايدي الاطفال المجندين والمجرمين.

Картинки по запросу михаил калашников сожаление

وعن ذلك قال “آسف لرؤية تلك الاعداد من الابرياء يقتلون ببندقيتي، لكنني أهدئ نفسي واقول انني اخترعت هذا الرشاش قبل 60 عاما لحماية مصالح بلادي”.

وفي أحد المؤتمرات الصحفية التي عقدت في موسكو، دافع كلاشينكوف بقوة عن نفسه وعن قراره تصميم البنادق العصرية وإصراره على أنه صممها من أجل الدفاع عن الوطن ولكي يتمكن الناس من حماية أنفسهم.

غير أنه بدا وكأنه لم يكن مقتنعا تماما بما يقول. وربما كان هذا هو السبب وراء الرسالة التي كتبها بمساعدة أحد الكهنة في الكنيسة أثناء فترة مرضه الأخيرة التي عبر فيها عن ألمه لمصرع الآلاف بسبب البنادق التي صممها.

وثمة اعتقاد بأن زيارته للولايات المتحدة الأميركية عام 1990، ولقاءاته مع مصمم الأسلحة الأميركي يوجين ستاونر، الذي صمم بندقية “أم 16” الشهيرة، كانت رحلة بحث عن راحة الضمير وسؤال عن الهدف من اختراع سلاح قاتل.

 

جوائز وأوسمة

حصل كلاشنيكوف على عشرات الأوسمة والجوائز وشهادات التقدير والشكر والعرفان، وكان أبرزها وسام النجمة الحمراء 1949، وحظى بوسام بطل العمل الاشتراكي مرتين، ووسام الراية الحمراء، وبلقب بطل العمل الاشتراكي، ووسام الثورة الاشتراكية، ووسام الحرب الوطنية العظمى، ووسام الشرف، إضافة الى وسام من الكنيسة الروسية باسم القديس أندريه برفوزفاني.

وبعل أكبر تقدير لجهد المخترع الروسي، هو أن سلاحه أصبح السعر رمزاً للنضال المسلح من اجل الاستقلال والحرية، ورغم اختراعه قبل أكثر من نصف قرن، إلا أنه مازال السلاح الرسمي لجيوش أكثر من 80 دولة حول العالم، ويزين الكثير من اعلام وشعارات الدول.

 

وفاة كلاشنيكوف

توفى ميخائيل كلاشنيكوف في 23 ديسمبر/كانون الأول 2013، في مدينة إيجفسك إثر صراع مع المرض، ودفن في المقبرة العسكرية بعد مراسم عسكرية رسمية شارك فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكبار القادة السياسيين والعسكريين. ووصف رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف رحيله بأنه “فقدان هائل لا يمكن التعويض عنه بالنسبة لبلادنا كلها”.

ورغم مرور أربع أعوام على رحيله، إلا أنه ما زال حاضرا في أذهان المواطنين الروس، والمخترعين والمصممين حول العالم، وتواصل أعمال تكريمه والعرفان لجهوده، حتى بعد مماته. ومازالت أعمال تطوير وتحديث سلاحه الشهير مستمرة.



shares