الملك سلمان في أول زيارة لملك سعودي إلى روسيا

زيارة تاريخية تلك التي سيقوم بها الملك سلمان لروسيا، لما تحمله في طياتها من رمزية خاصة ودلالات إيجابية على بلوغ العلاقات بين البلدين مرحلة النضج التي طال إنتظارها، مما سيتيح للجانبين العمل الأعمق على توطيد التعاون البناء والمباشر في المجالات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية -المتعلقة بالأزمة السورية- والنفط، فضلا عن التقارب العسكري بين روسيا والسعودية والتعاون في مجال الطاقة النووية.

موسكو والرياض…تشابك المصالح

كان الاتحاد السوفياتي، في عام 1926، أول دولة تقيم علاقات دبلوماسية مع المملكة (المعروفة آنذاك باسم مملكة الحجاز ونجد). لكن تلك العلاقات لم تتوطد، ثم ما لبثت أن تجمدت بعد بروز النموذج الشيوعي” الملحد”، فانتقلت السعودية بشكل طبيعي إلى معسكر الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. وظلت كذلك حتى انفراط عقد الاتحاد السوفياتي في عام 1991، لتشهد العلاقات الروسية السعودية تحسنا مضطردا.

وفي ظل حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والملك الراحل عبد الله، بنيت العلاقات الثنائية تدريجيا على أرضية أكثر ثباتا، ويرجع ذلك جزئيا إلى نهج بوتين العملي للسياسة الخارجية. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، تم إحراز تقدم غير مسبوق تجاه ما اعتبره الجانبان إمكانات اقتصادية غير مستغلة. لكن دور الأمير محمد بن سلمان في الدفع قدما بالعلاقات الروسية السعودية إلى الأمام كان له الأثر الأكبر.

محمد بن سلمان… مهندس التقارب الروسي السعودي

ففي حزيران / يونيو 2015، التقى نائب ولي العهد ووزير الدفاع آنذاك محمد بن سلمان ببوتين في سان بطرسبورغ، برفقة وفد رفيع المستوى يضم عدة وزراء. وقد تم توقيع العديد من الصفقات في مختلف القطاعات، بما في ذلك الاستثمار ودعم وضع خطط الطاقة النووية في المملكة العربية السعودية والشراكات في مجال النفط والغاز. شهد العامان 2015 و 2016 الكثير من النقاش حول معركة النفط السعودية الروسية على حصة السوق في أوروبا على غرار ما حدث في السوق الآسيوية قبل بضع سنوات. وفي ظل هذه الصراع على الحصص السوقية، تردد أن اتفاقا بين الأمير محمد وبوتين على هامش قمة مجموعة العشرين في الصين في سبتمبر/أيلول 2016 مهد الطريق للاتفاق بين روسيا ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) على تثبيت الإنتاج في وقت لاحق من ذلك العام.

وقد زار الأمير محمد، كبير مهندسي رؤية 2030 روسيا مرة أخرى في وقت سابق من هذا العام. وخلال الزيارة قال بوتين ان التبادلات الاقتصادية الروسية السعودية سجلت زيادة بنسبة 130 فى المائة منذ بداية العام. كما قال الأمير محمد أثناء وجوده في موسكو في مايو/ أيار مايو إنه “بالنسبة للنقاط التي لدينا خلافات حولها، توجد آلية واضحة للتغلب عليها، ونحن نحرز تقدما سريعا في هذا الصدد”.

الطاقة في صلب المحادثات
زار الملك سلمان موسكو في عام 2006 كأمير للرياض ووصفت زيارته لروسيا آنذاك بانها “تاريخية” نظرا لإنعكاسات نتائجها على العلاقات الروسية السعودية. وشكلت تلك الزيارة “نجاحا حقيقيا” واستكملت الجهود التي بذلت خلال زيارة الملك عبد الله لموسكو عام 2003 عندما كان وليا للعهد. بينما تعود آخر زيارة لبوتين للمملكة العربية السعودية إلى عام 2007.
ومن المنتظر ان توقع المملكة العربية السعودية عدة مذكرات تفاهم مع شركات روسية خلال الزيارة لموسكو خلال هذا الاسبوع. ومن المؤكد أن التعاون في مجال الطاقة سيكون “نقطة نقاش” رئيسية للكرملين خلال زيارة الملك سلمان. وقد أعربت المملكة العربية السعودية عن اهتمامها بالاستثمار في حقول القطب الشمالي الروسي، كما تسعى جاهدة لتطوير قطاع الغاز الخاص بها. وهناك قضية كبيرة اخرى هي انضمام روسيا الى اوبك. ومن بين الاتفاقيات الأخرى التي ينتظر توقيعها مذكرة تفاهم بين أرامكو السعودية وشركة نوفاتيك، أكبر منتج للغاز بالقطاع الخاص في روسيا، للبحث عن فرص استثمارية في قطاع الغاز. كما أعلنت إحدى المصادر أن شركة أرامكو السعودية وشركة الصناعات الأساسية السعودية (سابك) ستوقعان مذكرة تفاهم مع أكبر شركة للبتروكيماويات في روسيا سيبور للبحث عن فرص لبناء مصانع للبتروكيماويات في البلدين. وذكرت تقارير أن هناك اهتماما بقطاع الطاقة المتجددة في المملكة العربية السعودية حيث تسعى المملكة إلى استثمار ما يصل إلى 50 مليار دولار لمساعدتها على إنتاج 10 في المئة من طاقتها من مصادر الطاقة المتجددة. كما تضع المملكة العربية السعودية الطاقة النووية نصب عينيها لتلبية الطلب المحلي المتزايد على الطاقة بحيث يمكن تصدير كميات أكبر من نفطها الخام أو تحويلها إلى مواد بتروكيماوية بدلا من استخدامها لتوليد الكهرباء. وكانت المملكة العربية السعودية قد وقعت اتفاق تعاون نووي أولي مع روسيا في عام 2015، وأعلنت المملكة مؤخرا عن خطط لبناء أول مفاعلات نووية لديها بطاقة إنتاجية تبلغ 2.8 غيغاواط.

تجدر الاشارة الى ان السعودية وروسيا، وهما اكبر منتجين للنفط فى العالم (ينتجان معا حوالي ربع الانتاج العالمي)، قد عملتا معا بشكل وثيق خلال العام الماضى للتوصل الى اتفاق بين اوبك والدول المنتجة غير الاعضاء فى الاوبك لتثبيت الانتاج العالمى ودعم الاسعار. التعاون بين أكبر مصدرين للنفط في العالم، جنبا إلى جنب مع الدول الأعضاء الأخرى في منظمة أوبك، ساهم في رفع أسعار النفط. ويعتمد اقتصاد روسيا بشكل كبير على عائدات النفط، لذلك فموسكو في حاجة ماسة إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية للتخفيف من الركود الاقتصادي و ما خلفه من انخفاض في مستويات المعيشة. وبالإضافة إلى ذلك، تأمل روسيا في عقد صفقات بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، وهو مجال تهيمن عليه الدول الغربية تقليديا، وكذا لتطوير مصالحها التجارية في السوق السعودية عبر تصدير المشاريع. أما التعاون النووي والسكك الحديدية فهما مجالان محتملان.

الازمة السورية… التحدي الاكبر


تشكل الأزمة السورية قضية محورية على المدى القصير، ومع ذلك من وجهة نظر روسيا، فإن التعاون السعودي سيساعد على التفاوض على تسوية دائمة في سوريا. إن خلق مناطق لتخفيف حدة التصعيد في سوريا يهيئ الظروف المؤاتية للحوار السياسي. كما يجب أن يسير الحوار بين السوريين جنبا إلى جنب مع تفاهم إقليمي أوسع بين القوى الخارجية.
وتأتي زيارة الملك سلمان إلى موسكو بعد زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى المملكة العربية السعودية في 10 سبتمبر / أيلول.و التقى لافروف مع الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يشرف على قطاع الطاقة والدفاع. وبعد المحادثات قال لافروف إن السعوديين أعربوا عن تأييدهم لما يسمى ب “مناطق التصعيد” في سوريا، والتي أعلن عنها في مايو/ أيار بعد اجتماع بين روسيا وتركيا وإيران.
ومؤكد أن التقارب الروسي مع السعودية التي تمثل الوصي على الأماكن المقدسة سوف يخلق شعورا ايجابيا على نطاق واسع بين مسلمي روسيا، وهذا لا يمكن إلا أن يعزز الأمن القومي لروسيا. ومن الواضح أن الدبلوماسية الروسية تستعد للمصالحة مع الشرق الأوسط (السني) المسلم بعدما بدأت تلوح بوادر هزيمة تنظيم داعش والقاعدة في الافق.
إعداد : عرفات طه



shares