في الذكرى المئوية للثورة البلشفية.. المجتمع الروسي ما زال منقسما في تفسير أحداثها

قبل أيام قليلة من حلول الذكرى المئوية للثورة البلشفية في روسيا، تتصاعد مجددا السجالات حول تاريخ هذه الثورة، وهل يجب اعتبارها ثورة وطنية جزء من التاريخ القومي الروسي يستحق الإحتفال به، أم من الأفضل تجاهلها كمرحلة عابرة في التاريخ الروسي الحديث.

والثورة الروسية هو مصطلح يعبر عن سلسلة من الاضطرابات الشعبية حدثت في روسيا عام 1917، والتي كان لها الدور الأبرز في تغيير مجرى التاريخ، وقد قامت بها أساساً الجماهير الروسية الجائعة؛ منهية بذلك الحكم القيصري، ومقيمة مكانه حكومة مؤقتة، أفضت إلى إنشاء الاتحاد السوفييتي.

واندلعت الثورة الأولى في فبراير/شباط 1917 (مارس/آذار وفق التقويم الغريغوري)، أما الثورة الثانية التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول، أزال إثرها البلاشفة الحكومة المؤقتة واستبدلوها بحكومة اشتراكية، تلا ذلك الفصل الأخير من الثورة وهو الحرب الأهلية الروسية.

وتعتبر الثورة الروسية من أكثر الأحداث جدلاً في تاريخ القرن العشرين، بحسب ما ذكرت ويكيبيديا، وينقسم المؤرخون بصدد أحداثها ونتائجها إلى فريقين: الأول هو نظرة إعجاب وآمال كبرى، أما الثاني فنظرته يكتنفها الخوف والتهجم على قادتها.

ولا يزال إلى وقتنا هذا الانقسام دائراً حول ما إذا كانت أحداث أكتوبر مجرد امتداد لثورة فبراير، وعما إن كانت أحداث أكتوبر ثورة نسبت إلى الحرية أو انقلاب على الشرعية، بل ويمتد الخلاف إلى أسباب العنف خلال الحرب الأهلية، وما دور كل ما سبق في نشوء الديكتاتورية البروليتارية في الاتحاد السوفييتي السابق، وتطور الشيوعية إلى اللينينية على أساس التطوير الذي أقره ستالين في مبحثه أسس اللينينية والتي توصف أحياناً بأنها ستالينية سنة 1930.

ومن الجانب الرسمي، يلتزم الكرملين بالمسار الرسمي الهادف إلى تجنب الشقاق الداخلي، وتجاهل الحدث التاريخي المثير للخلافات. وذلك بصرف النظر عن أنَّ انتفاضات عام 1917 قد غيّرت البلاد والعالم بإنهاء حكم القيصر الذي حكم فترة طويلة، ومثَّلت بداية العصر الشيوعي، وبداية المواجهة الأيديولوجية مع الغرب، التي لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم.

وقد تقرر أنه لن تكون هناك إجازة وطنية يوم الأحد، 12 مارس/آذار، وهو التاريخ المعترف به بدايةً للانتفاضة. ولن يكون هناك حتى تفسيرٌ حكومي رسمي للأحداث، مثل ذلك التفسير الذي يعتبر الحرب العالمية الثانية “نصراً عظيماً”.


ويقول ميخائيل شفايدكوي، المبعوث الثقافي الخاص ببوتين، في لقاءٍ صحفي في المقهى الخشبي بـ”البيت المركزي للكتاب”، وهو بيت يعود لفترة ما قبل الثورة: “بالنسبة لمجموعة واحدة من الناس، كانت الثورة مسماراً دُقّ في نعش روسيا العظيمة، كانت كـ”بريكسيت” بالنسبة لروسيا، عندما أوقفنا تطورنا في أوروبا. أما بالنسبة للكثير من الناس الآخرين فقد كان الماضي السوفييتي أفضل وقتٍ في حياتهم”.

وعلى الرغم من المفهوم الشائع بأن القيصر قد أطيح فيما يدعوه السوفييت بثورة أكتوبر/تشرين الأول الاشتراكية العظمى، فقد كانت هناك ثورتان وقعتا عام 1917. أطاحت ثورة فبراير/شباط (التي تقع الآن في مارس/آذار بالنظر إلى التقويم المختلف) بالقيصر، وأبدلت به حكومةً انتقالية قدمت إصلاحاتٍ ليبرالية، مثل حق التصويت للجميع. وبعد ذلك بثمانية أشهر، هندس لينين وعصبته البلشفية انقلاباً أدى إلى صعود أول دولة شيوعية.

وتختلف انتقادات بوتين للثورة مع المديح الباهر لها على مدار التاريخ الروسي. فقد قال بوتين في خطابه أمام الاتحاد الفيدرالي في ديسمبر/كانون الأول: “نحن نعرف جيداً التبعات التي من الممكن أن تجلبها هذه الانتفاضات الكبرى. وقد مرّت بلادنا للأسف بالكثير من هذه الانتفاضات وتبعاتها في القرن العشرين”.

وحوّل الرئيس مسألة الاحتفال إلى المجال الأكاديمي، فعين لجنةً خاصة لتنظيم الندوات والأشياء من هذا القبيل.

وبسبب غياب وجهة نظر رسمية حول تلك الأحداث، فإنَّ الأطراف الأخرى اغتنمت الفرصة لتقديم رؤاها الخاصة. وعادةً ما تشير تلك الرؤى إلى أحداثٍ معاصرة. فقد قال وزير الثقافة المحافظ فلاديمير مدينسكي في أحد المنتديات الحديثة، إن الثورة قللت من أهمية مخاطر السماح بحكم الليبراليين؛ لأنَّ أولئك الليبراليين دائماً ما يضعون مصلحتهم فوق مصلحة روسيا.

وانتقد المطران هيلاريون من الكنيسة الروسية الأرثوذكسية في المنتدى ذاته أولئك الذين دمّروا دولة القيصر بدلاً من محاولة الوصول لتسوية.

ويرد الليبراليون بأنَّ الحكومة القمعية التي تتجاهل التفاوت الضخم في الدخول وتقمع الحقوق الأساسية أمرٌ من الأمور التي ينبغي القلق من تسببها في تكرار التاريخ لنفسه.

بالنسبة للحزب الشيوعي، وهو الحلقة الأضعف في المعارضة المخلصة، فقد كان تأسيس الاتحاد السوفييتي هو الإنجاز الأوحد. ويخطط الحزب للاحتفال بمسيراتٍ في موسكو وأماكن أخرى في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، وهو يوم الإجازة القومية في العصر السوفييتي.

وبدأت مجموعة نشطاء روس، مشروعاً يحمل اسم “1917”، يتلخص في إنشاء موقعاً شبيهاً بفيسبوك، بالاستعانة بمخزونٍ ضخم من الأرشيفات التاريخية التي تؤرخ لعام 1917 بالروسية والإنكليزية. يستخدم المشروع أجزاء من المذكرات اليومية لمئات من أبرز الروس في تلك الفترة من أجل خلق نموذج من كل يوم من أيام هذه السنة، بما في ذلك حالة الجو.

وعلى سبيل المثال، في الثامن من مارس/آذار، مع بداية اشتداد مظاهرات الخبز في سان بطرسبرغ، نجد نيقولا الثاني وهو يتحسر على إصابة أطفاله بالحصبة. وركز آخرون على فوضى زراعة الفطر. وكتب ميخائيل رودزيانكو، رئيس البرلمان الروسي حينها (الدوما): “لقد انكسر شيءٌ اليوم، وانحرفت ماكينة الدولة عن اتجاهها”.

وفي الخامس عشر من مارس/آذار، كتب القيصر في يوم إطاحته: “الخيانة، والجبن، والخديعة في كل مكانٍ من حولي”. وذكر في اليوم التالي قراءة كتاب حول يوليوس قيصر، ثم تجنب الكلام في السياسة حتى أبريل/نيسان.

 

ومن الجدير بالذكر أن الكثير من المؤرخين يلاحظون أنّ مشاعر روسيا متناقضةٌ إلى حد ما فيما يتعلق بعام 1917. وعلى الرغم من أنَّ الكثير من الناس ينظرون لتلك الفترة على أنها قد دمرت البلاد، فرموزها لا تزال جزءاً من نسيج الحياة اليومية.



shares