كتالونيا تروم الإنفصال.. فما تاريخ إتحادها مع إسبانيا

أدى إعلان إستفتاء إقليم كردستان حول الإستقلال عن العراق إلى تحميس كثير من الأقليات في العالم، وكانت من هذه الأقليات المتحمسة الكتالان، الذين أرادوا بدورهم بعث رغبتهم في الإنفصال عن إسبانيا، فازداد التوتر مؤخرا بين أسبانيا والإقليم توازيا مع تنظيم إستفتاء بخصوص الإنفصال عن إسبانيا، وقد تكلم المحللون عن أسباب الرغبة في الإنفصال وعن الإختلاف العرقي واللغوي بين المتنازعين، ولكن كيف حصل الإتحاد أول مرة بينهما؟.

كتالونيا عبارة عن إقليم يتمتع بحكم ذاتي يقع في شمال شرق دولة إسبانيا، ينقسم الإقليم إلى أربعة مقاطعات هي: (جرندة، لاردة، طراغونة، والعاصمة برشلونة)، تبلغ مساحة الإقليم 32.113 كلم2 بعدد سكان يبلغ 7.552.596 نسمة عام 2016م، إقليم صغير مزدهر بإمكانيات صناعية كبيرة، ولكن متوتر في نفس الوقت بسبب النزعة الإنفصالية للإقليم الذي يطالب من وقت لآخر بالإنفصال عن إسبانيا.

لقد كانت المنطقة التي تقع فيها إسبانيا قديما تسمى “شبه الجزيرة الأيبيرية”، وكانت خاضعة للإمبراطورية الرومانية، قبل أن تأتي القبائل الجرمانية وتغزوا الإمبراطورية الرّومانية، وكانت هذه القبائل متفرقة، أبرزها الوندال والقوط. لسبب من الأسباب اتحد القوط مع الإمبراطورية الرومانية، فأقاموا في فرنسا دولة تابعة للإمبراطورية الرومانية عاصمتها تولوز، وبعد تكوين هذه الدولة قام القوط بعرض الهجوم على شبه الجزيرة الأيبيرية التي كانت خاضعة للوندال على الإمبراطورية الرومانية بشرط أن تكون هذه البلاد من نصيبهم إذا تحقق لهم النصر، فقُبل طلبهم وهاجموا هذه القبيلة التي كانت جرمانية مثلهم، فهزموا الوندال عام 456م وافتتحت شبه الجزيرة الأيبيرية ما عدا ركنها الشمالي الغربي (جليقية)، الذي استعصم به الوندال حينا، ولم تأت نهاية القرن الخامس حتى ملك القوط شبه الجزيرة كلها، وامتد ملكهم من “اللوار” إلى شاطيء إسبانيا الجنوبي. ولكن الفرنج غزوهم من الشمال، وأجلوهم عن فرنسا في أعوام قلائل، فاستقروا في اسبانيا واتخذوا “طليطلة” دار ملكهم.

بعد أن تمكن القوط من إحكام سيطرتهم على شبه الجزيرة الأيبيرية عامة وما يسمى حاليا كتالونيا خاصة عاثوا فيها فسادا، وحكموا بالظلم والاستبداد وجعلوا كل ثروات البلاد من نصيبهم، وتعرض الشعب للمضايقات، خاصة اليهود منهم فقد أجبروا على اعتناق الديانة النصرانية ومن لم يقبل يقتل أو يهجر، وقد ذكر بعض المؤرخين أن الشعب الذي تضايق من معاملات القوط هو من استنجد بالمسلمين بعد أن سمعوا عن أخلاقهم الراقية الرائعة وشدتهم في الحروب والغزوات المباركة، وكان المسلمون يومها يحكمون قبضتهم على شمال إفريقيا، يقول المؤرخ المصري المعروف محمد عبد الله عنان في كتابه “دولة الإسلام في الأندلس” – الجزء الأول ص31 و32:

“وكان يهود الجزيرة كتلة كبيرة عاملة، ولكنهم كانوا موضع البغض والتعصب والتحامل، يعانون أشنع ألوان الجور والاضطهاد. وكانت الكنيسة منذ اشتد ساعدها ونفوذها تحاول تنصير اليهود، وتتوسل إلى تحقيق غايتها بالعنف والمطاردة، ففي عصر الملك سيزبوت فرض التنصر على اليهود أو النفي أو المصادرة، فاعتنق النصرانية الكثير منهم كرها ورياء سنة 616م…… فكانوا قبيل الفتح الإسلامي ضحية ظلم لا يطاق، وكانوا كباقي طوائف الشعب المهيضة يتوقون إلى الخلاص من هذا النير الجائر، ويرون في أولائك الفاتحين الذين يتركون لهم حرية الضمائر والشعائر مقابل جزية ضئيلة ملائكة منقذين”.

لقد استجاب المسلمون لاستنجاد هذه الشعوب المظلومة، ففي عام 711م، غزى المسلمون من عرب وأمازيغ دولة القوط، وفتحوها وحرروا الشعوب التي لم تقاوم الفتح الإسلامي من بطش الظالمين ورفعت في شبه الجزيرة الأيبيرية راية التوحيد وأقيم العدل بين الناس. تلك الشعوب التي دخلت بعدها في دين الله أفواجا، ومن لم يدخل في الإسلام منهم دفع الجزية، ليتحول بعدها اسم هذه المنطقة إلى الأندلس، يقول المؤرخ الإسباني أميريكو كاسترو في كتابه “إسبانيا في تاريخها” ص59:

“أما المسلمون فقد توسعوا بمرونة وهم يحملون على ظهورهم ميراثا دينيا وسياسيا”.

بدأت أول معالم قيام مملكة كتالونيا عندما قام ملك الفرنج شارلمان بغزو المسلمين من الناحية الشمال الشرقية واستولى على برشلونة سنة 801م، وأصبح الفرنج يساعدون الساكنين هناك ويسوسونهم، ولكن لما ضعف الفرنج بسبب هجمات السكسون من الناحية الأخرى لبلادهم، أعلن إقليم برشلونة الإستقلال ومنذ ذلك الوقت توسع الإقليم تحت حكم الكونت بيرنجر لتقوم إمارة كتالونية.

إحتاجت مملكة كتالونيا إلى سند لها خاصة مع رغبة المسلمين الملحة في رجوع هذه المنطقة لنفوذها، وبما أن مملكة أراغون كانت محاذية لمملكة كتالونيا ولديها عدو مشترك معها هي مملكة سرقسطة الإسلامية قرر حكامها الإجتماع والإتحاد، فانظمت مملكت أراغون إلى كتالونيا وتنازل ملكها عن عرشه وتزوج برنجير الرابع ابن الكونت بيرنجير، بابنة ملك أراغون راميرو سنة 1137م.

بعد زمن تحولت السلطة إلى أراغون التي تزعمت الحلف، لتتحالف مع قشتالة وتشكل حلفا أكبر ضد المسلمين، وبعد سنوات اتحدت جميع الممالك لتقوم دولة إسبانيا النصرانية المتحدة عام 1474م، لتكون كتالونيا جزء مهما من هذه الأخيرة، قال المؤرخ الجزائري أحمد توفيق المدني في كتابه “حرب الثلاثمائة سنة”، ص48:

“ميلاد إسبانيا الحديثة الموحدة، يرجع إلى 1469م، بالمصاهرة السعيدة على الوحدة الإسبانية، التي تمت بين فردينالد ملك أراغون، وبين إيزابيلا وارثة عرش قشتالة، التي مات أخوها الملك، فورثت عنه العرش، وهكذا تكونت سنة 1474، إسبانية المسيحية الموحدة”.

أبو ذر القصراوي – (كاتب صحفي وباحث إسلامي)



shares